منع المؤسسات العسكرية اقتصاديا.. تراجع أم تحايل؟

منع المؤسسات العسكرية اقتصاديا.. تراجع أم تحايل؟

في خطوة غير متوقَّعة تعكس قدرًا كبيرًا من إدراك المخاطر التي تهدِّد النِّظام الإيرانيّ، أصدر المرشد الإيراني علي خامنئي قرارًا بمنع المؤسَّسات العسكرية الإيرانيَّة من ممارسة الأنشطة الاقتصادية على الرغم من استمرار عمليات قمع المتظاهرين وتنفيذ حملات اعتقال موسَّعة في أوساط الشباب الإيرانيّ. هذا القرار يُسهِم في معالجة أحد أهمّ الأسباب المباشرة لاندلاع مظاهرات الثامن والعشرين من ديسمبر الماضي، التي عصفت بالداخل الإيرانيّ وأظهرت حجم الغضب الشعبي ضد النِّظام وأحرجته داخليًّا وخارجيًّا.

الشرارة الأولى
تَسبَّب نشاط الحرس الثوري في قطاع توظيف الأموال في اندلاع الشرارة الأولى للاحتجاجات التي شاركت فيها عشرات المدن الإيرانيَّة لـ10 أيام متواصلة نتيجة فقد عدد كبير من صغار المودعين مدخراتهم الضئيلة بعد إعلان إحدى المؤسَّسات المالية التابعة للحرس الثوري إفلاسها، وهو حادث تَكرَّر مرَّاتٍ كثيرة خلال السنوات العشر الماضية بسبب تشغيل مؤسَّسات توظيف أموال غير مرخصة من البنك المركزي الإيرانيّ تنحلّ وتندمج بقرارات عشوائية، أغلب تلك البنوك تابع للمؤسَّسة العسكرية الإيرانيَّة (الجيش والحرس الثوري)، وقد قام المتضررون على مدار الأشهر الثلاثة السابقة على موجة الاحتجاجات الكبيرة بمظاهرات واعتصامات أمام البرلمان الإيرانيّ، وفي عدد من المدن الإيرانيَّة، أبرزها مدينة مشهد حيث ينشط القطاع التعاوني بدرجة كبيرة، ويسيطر الحرس الثوري على كثير من شركاته.

خلاف جوهري
شكَّلَت سيطرة المؤسَّسات العسكرية على النشاط الاقتصادي الإيرانيّ نقطة الخلاف الجوهرية بين المرشد خامنئي ورئيس الجمهورية حسن روحاني، فروحاني لا يختلف مع الحرس الثوري في أنشطته القتالية خارج الأراضي الإيرانيَّة، ولا يُدِين نشاطه الإرهابي ولا يعترض على تجنيد ميليشيات المرتزقة العاملة لصالح إيران في كل من العراق وسوريا ولبنان، وقد أعلن عشرات المرات دعمه الكامل للحرس الثوري في نشاطاته القتالية. إن جوهر الخلاف يتمحور بينهما حول النشاط الاقتصادي للمؤسَّسة العسكرية، بخاصَّة الحرس الثوري، وقد قال روحاني: “كيف يمكن أن تكون هناك دولة داخل الدولة الإيرانيَّة تمتلك البندقية ولديها مؤسَّساتها الاقتصادية ومؤسَّساتها الإعلامية وبنوكها ومصارفها؟ كيف يمكن للحكومة الإيرانيَّة أن تنافس هذه الدولة؟”.

استيعاب للتهديدات
معارضة روحاني هيمنة الحرس الثوري على الاقتصاد الإيرانيّ ليست نابعة من حرمان حكومته من الموارد المالية التي تمكنها من إدارة الدولة اقتصاديًّا فحسب، وإنما تعرض سياساته الخارجية أيضًا بعد أن أصبح الحرس الثوري هدفًا للعقوبات الأمريكيَّة، وتحركت الإدارة الأمريكيَّة فعليًّا لإعلان الحرس الثوري منظَّمة إرهابية، الأمر الذي سوف يؤدِّي في حالة تفعيله قانونيًّا إلى التجريم على المستوى الدولي لكل التعاملات الاقتصادية مع كثير من المؤسَّسات الإنتاجية والمالية الإيرانيَّة التي يمتلكها الحرس، ومِن ثَمَّ يصاب الاقتصاد الإيرانيّ بحالة من الشلل وعدم القدرة على تلقِّي الاستثمارات الأجنبية، بخاصَّة في قطاع الطاقة، ومن ثم لن تتمكن الدول الأوروبيَّة التي يرتبط اقتصادها باقتصاد الولايات المتَّحدة إلى حدّ كبير من مواصلة تعاونها الاقتصادي مع إيران في ظلّ امتلاك الحرس الثوري كبرى الشركات الإيرانيَّة العاملة في مجال استكشاف واستخراج النِّفْط والغاز. إن قرار خامنئي تَوَقُّف المؤسَّسة العسكرية عن ممارسة الأنشطة الاقتصادية رغم أنه يعكس استيعاب خامنئي ومستشاريه للمخاطر التي تهدِّد النِّظام على الصعيدين الداخلي والخارجي، فإنه قد يقدِّم حَلًّا ناجحًا يخفِّف حدة التوتُّر في الشارع الإيرانيّ، ويحبط كثيرًا من الضغوط الدولية المتوقَّع تصاعدها خلال الفترة القادمة ضدّ الحرس الثوري ومؤسَّساته الاقتصادية، لكنه في الوقت نفسه قد يشكِّل خطورة من الممكن أن تعصف بالنِّظام إذا ما عارض قادة الحرس الثوري تنفيذ القرار، بخاصَّة أن المعلن عن تنفيذ القرار هو اللواء أمير حاتمي وزير الدفاع الإيرانيّ وقائد الجيش الإيرانيّ، ولم يبادر أحد من قادة الحرس الثوري بالإعلان عن الامتثال للقرار.

تمرد ممكن
إن احتمال تمرُّد قادة الحرس الثوري على القرار أمر وارد، إذا ما أخذنا في الاعتبار الأخبار المتناقَلة في الأوساط الإيرانيَّة والتي أبرزتها صحيفة “فاينانشيال تايمز” عن اعتقال عشرات من قادة الحرس الثوري خلال الأسبوع الماضي بتهم الفساد المالي، وهو ما أكَّده علي مطهري نائب رئيس البرلمان الإيرانيّ في حوار له مع صحيفة “لوموند الفرنسية”، ومنذ عدة أشهر أعلن عبد الله عبد اللهي قائد قاعدة خاتم الأنبياء (أكبر مؤسَّسة اقتصادية للحرس) أنه يرفض أن يتحول الحرس الثوري لمقاول من الباطن لعقود الشركات الأجنبية، في إشارة إلى العقد المُبرَم بين إيران وشركة توتال الفرنسية لتنفيذ المرحلة 11 من حقل غاز فارس، وقال: “لا توجد مؤسَّسة في إيران قادرة على تنفيذ هذه الأعمال سوى مؤسَّسات الحرس الثوري”، في حين طلب غلام حسين غيب برور قائد قوات الباسيج، من الحكومة الإيرانيَّة أن تعلن صراحةً ورسميًّا عدم رغبتها في ممارسة الحرس الثوري للنشاطات الاقتصادية، وذلك في نبرة تهديد للحكومة الإيرانيَّة بعد أن صرَّح بأن أولئك الذين يريدون منع الحرس الثوري من النشاط الاقتصادي يهدفون إلى إضعافه مثلما كان يفعل أعداء الثورة. لقد عكست كلمة وزير الدفاع الإيرانيّ أمير حاتمي رغبته في فصل موقف الجيش من القرار عن موقف الحرس الثوري عندما قال: “إن وزارة الدفاع لن تؤدِّي من الآن فصاعدًا أي أنشطة اقتصادية، ولن تضيِّق أجواء المنافسة الاقتصادية أمام القطاع الخاصّ، وإن وزارة الدفاع ستسلّم المؤسَّسات الاقتصادية التابعة لها للدولة”، ولكن لم يذكر أسماء تلك المؤسَّسات التي سوف تتنازل وزارة الدفاع عن امتلاكه.، ومع ذلك يبقى هذا التحول مقيَّدًا بشرط يجعله تحوُّلًا منقوصًا، إذ أعلن وزير الدفاع أن الشركات العاملة في قطاع التعمير والمملوكة للمؤسَّسة العسكرية سوف تواصل عملها كما كانت طبقًا لحاجة الحكومة.

تخطي الأزمات الحرجة
مع ما سبق من مخاطر، سواء في ما يتعلق باحتمالية تَمَرُّد بعض قادة الحرس الثوري، أو الالتفاف حول تنفيذ القرار، فإن القرار يعكس قدرة خامنئي ومستشاريه على تقديم حلول لأزمات النِّظام الإيرانيّ في أوقاته الحرجة داخليًّا وخارجيًّا وتَخطِّيها، ولا شك أن ذلك سينعكس إيجابًا على الصراع الداخلي بين أجنحة النِّظام، وسوف يقلِّل أضرار توجيه عقوبات دولية فاعلة ضدّ المؤسَّسات الاقتصادية الإيرانيَّة.


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المركز