مفاوضات ايران.. وغياب اسرائيل ودول الخليج

 

 

يشكل اجتماع جنيف بين ايران ومجموعة 5+1 فرصة لاطلاق عملية دبلوماسية من المتوقع ان تكون شاقة وطويلة. والجولة الاولى من هذه المحادثات التي عقدت يومي الثلاثاء والاربعاء الماضيين هي الاولى بعد تولي الرئيس حسن روحاني السلطة في آب (اغسطس) الماضي، الذي تعهد في حملته الانتخابية بحلّ ازمة الملف النووي المستمرة منذ عشر سنوات، من اجل رفع العقوبات الاقتصادية التي بدأت تؤثر على الجمهورية الاسلامية.
الهجمة الدبلوماسية الايرانية بدأت بعرض لم يستطع البيت الابيض الا ان يشيد به فميا وصفه المتحدث باسم مفوضة الشؤون الخارجية بالاتحاد الاوروبي كاثرين اشتون بانه مفيد للغاية. الخطة الايرانية التي قدمها وزير الخارجية جواد ظريف تشمل ثلاث مراحل وتتضمن فرض قيود على البرنامج الخاص بتخصيب اليورانيوم، ووضع سقف لعدد اجهزة الطرد المركزي، ووقف التخصيب فوق مستوى 5 بالمئة، والسماح بعمليات تفتيش اكثر عمقا، اذا اعترفت الدول الست بحق ايران بالتخصيب بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي.
الرئيس روحاني يتطلع لتحقيق تقدم برفع العقوبات الاقتصادية والحفاظ على نفوذ الجمهورية الاسلامية في المنطقة، فعلى المستوى الاقتصادي ادت العقوبات لتراجع عائدات النفط خلال عامي 2011 و2012 اكثر من خمسين مليار دولار، اضافة الى انهيار الريال الايراني وتراجع سعر صرفه مقابل الدولار اكثر من 300 بالمئة، بينما وصل معدل التضخم الى 45 بالمئة، وهو الاعلى في المنطقة، وحسب تقرير البنك المركزي الايراني، فان حوالي 65 بالمئة من الايرانيين يعيشون تحت خط الفقر. هذه الضغوط الاقتصادية تثير لدى الرئيس روحاني مخاوف شبح اضطرابات اجتماعية، خاصة بعد انتشار الانتفاضات الشعبية في المنطقة.
المفاوضات دارت وستستأنف الشهر المقبل في جنيف، لكن الحاضر الغائب الاول عنها هو اسرائيل، ومن ثم دول الخليج التي شعرت بالعزلة ازاء التقارب الايراني مع العرب. فاسرائيل التي تخشى تفكك الحصار على ايران من دون تفكيك البرنامج النووي تتهم الرئيس الامريكي باراك اوباما بالتراخي والتهرب والمماطلة بشن حرب على ايران، وقد ردت اسرائيل على ذلك بارسال رسالة للغرب وايران الاسبوع الماضي من خلال قيام سلاح الجو الاسرائيلي باجراء تدريب عسكري ضخم يحاكى شن هجوم بعيد المدى في تصعيد عملي، بعد خطاب رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو في الامم المتحدة واعلانه ان اسرائيل ستدافع عن نفسها حتى لو اضطرت القيام بذلك منفردة.
اسرائيل في مواجهتها للتقارب بين طهران والغرب، استعادت لغة الماضي، فبعد اتهام ايران بالدعوة لابادة اسرائيل مطالبة بريطانيا باشتراط تخلي طهران عن هذه الدعوة قبل اعادة العلاقات الدبلوماسية، صعدت لهجتها تجاه الدول الاوروبية وحذرت أمس من تكرار اخطاء بريطانيا وفرنسا مع المانيا النازية عام 1938 حين خضعت بريطانيا وفرنسا للشروط الالمانية لتفادي الحرب التي ما لبثت ان اندلعت عام 1939، وذلك في محاولة لايقاظ الشعور بالذنب لدى الدول الاوروبية تجاه اسرائيل.
التقارب الامريكي ـ الايراني ترافق ببرود بالعلاقة بين دول الخليج وامريكا، خاصة بعد الموقف الامريكي من الازمة السورية وتراجع اوباما عن تهديده بالضربة العسكرية للنظام في دمشق بعد الهجوم الكيماوي على ريف دمشق في 21 آب (اغسطس) الماضي. وفي حين تراقب التنسيق بين روسيا وايران في الازمة السورية، تشعر دول الخليج بالتحفظ باكتفاء واشنطن بالتنسيق مع اسرائيل من دون اظهار اي اهتمام بالدور الخليجي بالازمة السورية، متجاهلة مخاوف المنطقة من طموحات طهران بتوسيع نفوذها، خاصة وان دول الخليج مستبعدة من المفاوضات السرية، وهو ما استدعى احتجاج وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل وعدم القائه خطاب المملكة في الامم المتحدة.
في كل الاحوال، لن يكون من السهل بالنسبة لروحاني بناء ثقة مع دول الغرب، وبالتالي فان التنازلات الايرانية يجب ان تكون واضحة جدا، كي تستطيع الدول الكبرى اعتبار ملف الازمة مغلقا. لكن التنازلات ستكون محرجة للرئيس الايراني اذا لم ترفق بتنازلات غربية ايضا، وهذا لن يكون الا في الملف السياسي، الذي تعتبره ايران التعويض الضروري عن تجميد برنامجها النووي او تشغيله بأدنى نسب التخصيب، وهذا الملف هو الذي يقلق الدول الخليجية والعربية عموما، لانه يعني الاعتراف لايران بما بنته من نفوذ في خمس دول عربية (العراق،سورية، لبنان والبحرين وفلسطين) والاستعداد لاشراكها في الازمة السورية شبيه بالمشاركة الثنائية الامريكية ـ الايرانية في ادارة شؤون العراق. ولا شك ان طهران تطمح الى دمج النووي والسياسي في المفاوضات لكي تخرج بصيغة ترضي طموحاتها. وكانت عواصم الغرب رفضت اقحام المسائل السياسية في المفاوضات النووية، الا انها باتت اليوم اكثر اندفاعا لانجاز حل للازمة النووية، ما قد يدفعها الى تقديم التنازلات التي ترغب فيها طهران. ولا بد للعرب الذين ارتضوا ان لا يتدخلوا بالملف النووي الا من زاوية التحذير من مخاطره، ان يفرضوا انفسهم على المفاوضات السياسية لئلا تأتي التسوية بين ايران والغرب على حسابهم، فالنفوذ الايراني ربما يرضي الغرب ولكنه يعني على المدى الطويل مسلسلا من الازمات الصعبة والمعقدة في بلدان الشرق الاوسط والخليج.
تبقى الاشارة الى ان عامل الوقت، قد لا يكون لصالح ايران، فاوباما الذي يهمه المماطلة بالمفاوضات ليأتي باكبر تنازلات من ايران وبالتالي تأجيل قرار الحل العسكري اذا لم يتم الوصول لاتفاق، الى نهاية ولايته، وبالتالي تحميل تبعاته للرئيس المقبل. بينما تبدو ايران اكثر تعجلا، والرئيس الايراني الذي عاد منتصرا من نيويورك، خاصة بعد مكالمته مع اوباما، بدأ يتعرض لانتقادات من المحافظين، ويهمه الوصول لاتفاق وبدء رفع العقوبات في المرحلة الاولى من ولايته.

الرابط الشبكي : http://www.alquds.co.uk/?p=93899