لتكن حرب استنزاف للنظام ولإيران

منذ بداية الأزمة السورية قبل ثلاث سنوات تقريباً تحركت الحكومة السعودية للبحث عن مخرج يضمن أمن واستقرار سوريا ويحقق تطلعات شعبها. واستندت المملكة في تحركاتها إلى منطلقات مبدئية تعبيراً عن مسئوليتها العربية والإسلامية. وقد ترجم هذا الموقف المبدئي في كلمة الملك عبد الله التي وجهها للشعب السوري في رمضان 2011 وطالب فيها بوقف آلة القتل وإراقة الدماء وحذر أن أمام سوريا خيارين لا ثالث لهما: إما التعقل والحكمة أو أن الانجراف نحو الفوضى والضياع.ورغم عدم استجابة النظام السوري لهذه الدعوة المبكرة استمرت المملكة في بذل الجهود سواء بشكل منفرد أو من خلال جهود مشتركة في إطار مجلس التعاون أو الجامعة العربية والاتصال بالدول الكبرى. وللأسف فقد فشلت كافة الجهود لإنهاء المأساة بسبب تصميم النظام السوري على استخدام القوة السافرة ضد مواطنيه مستفيداً من دعم كبير من إيران ومباركة من روسيا.

في هذا الأثناء بدأت رؤية جديدة تتشكل في المنطقة تقوم على النظر إلى الأزمة السورية من زاوية إستراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل التوازنات في المنطقة التي تغيرت بعد الغزو الأمريكي للعراق ونتج عنه تحقيق إيران مكاسب كبيرة بتمكينها من الهيمنة على القرار العراقي بعد تدمير كامل مؤسساته. من هنا رأت الدول العربية والإقليمية، المتضررة من هذه الهيمنة التي مكنت إيران من التدخل في شئون جيرانها، في الأزمة السورية فرصة لتفكيك الهيمنة الإيرانية حيث أن التحالف التاريخي بين طهران ودمشق يعد من أبرز ركائز الدور الإيراني في المنطقة. وجميعنا يتذكر كيف أن هذا التحالف لعب دور مهم في إطالة أمد الحرب العراقية الإيرانية بسبب دعم النظام السوري لإيران ضد العراق في تناقض صارخ مع مفهوم التضامن القومي العربي وتصادم مع الرابطة الأيدلوجية بين النظامين السوري والعراقي.

لقد خلص البعض إلى أن الأزمة السورية قد تكون المفتاح لإنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة من خلال إسقاط حليفه في دمشق. المملكة وانطلاقاً من أحد أهم مرتكزات سياستها الخارجية والمتمثل في المحافظة على استقرار المنطقة أولا وأخيراً قبلت بهذه الرؤية على مضض. ولذلك وبعد أن رفض النظام

السوري الدعوات المتكررة للتصالح مع المعارضة بدأت كغيرها تدعو إلى دعم المعارضة عسكرياً بما يمكنها من تحقيق التفوق والانتصار وتخليص الشعب السوري من معاناته التي طالت.

اتفق أصدقاء سوريا على تقديم الدعم للمعارضة، لكنهم اختلفوا بشأن نوعية ومستوى الدعم، وكان هذا الاختلاف السبب الرئيس لأن يخفق الخيار العسكري في تحقيق الهدف المرجو بإسقاط النظام. هذا التردد في تقديم الدعم للمعارضة مقابل تدفق الدعم العسكري من إيران وروسيا وحزب الله حافظ على التباين الكبير بين الطرفين في ميدان المعارك. كما ساهم انقسام المعارضة وتصادمها أحيانا في نجاح النظام في فرض هيمنة عسكرية يصعب كسرها دون دعم عسكري نوعي.

التطورات الأخيرة بعد استخدام النظام للسلاح الكيماوي أكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن المراهنة على وصول هذا الدعم قد تكون خاسرة فالحسابات الخاصة بكل طرف تحول دون التورط في مواجهة عسكرية نتائجها غير مضمونة. ولذلك بدأنا نلحظ توجه نحو إعادة نظر في الحل العسكري حتى من قبل عدد من الدول العربية التي تساند المعارضة وبدأت بالضغط على الفصائل السورية للقبول بتسوية سلمية مهما كانت نتائجها.

ولاشك أن الحل السلمي هو الأنسب والأسلم، إلا أننا لا نرى ما يشير إلى إمكانية تحقيقه؛ فحتى اللحظة لم يتم الاتفاق على عقد مؤتمر جنيف 2 وجهود مبعوث الأمم المتحدة الأخضر الإبراهيمي وقبله كوفي عنان تبدو متعثرة على أقل تقدير، وذلك بسبب رفض طرفي الصراع المشاركة في المؤتمر دون اشتراطات مسبقة. روسيا والتي تعد الطرف الأهم للوصل إلى مخرج سلمي كونها الدولة الأكثر تأثيراً على النظام السوري لا يبدو أنها جادة في تحقيقه فهي تعمل دائما على تعطيل أي مبادرة جادة من خلال إصرارها العجيب على بقاء الأسد في السلطة رغم أن هذا منطق أعوج بعد هذا القتل والتدمير المتواصل لثلاث سنوات تقريبا، ولا يمكن لأي من أطراف المعارضة مهما كانت اتجاهاته أن يقبل ببقاء الأسد. فالمعارضة بجميع أطيافها محقة في المطالبة برحيله رغم أنها قد تختلف حول توقيت وكيفية رحيله، ولكن المؤكد أنها لن ترضى ببقائه في السلطة، وبدون هذا الشرط فلن ينجح أي حل وستفشل كافة المبادرات لإنهاء الصراع.

وحتى اللحظة يستمر الصراع الذي وصل عدد ضحاياه إلى 120 ألف قتيل وحوالي مليوني لاجئ وتدمير متواصل للمؤسسات والموارد السورية وتحول سوريا إلى أرض خصبة للجماعات التكفيرية وليس مستبعداً أن تصبح كأفغانستان في حال لم يتم إنهاء الصراع.

إذاً وبسبب عدم وجود فرصة حقيقية للحل السلمي من جهة، وعدم قدرة المعارضة على إسقاط النظام من جهة أخرى، ومع استمرار الحرب والقتل والتشريد والتدمير، نجد أن أياً من المنطلقات الإنسانية أو الإستراتيجية التي استند إليها أصدقاء سوريا في دعمهم للمعارضة لم يتحقق. وفي هذه الحالة لم يبقى أمامهم سوى الأخذ بخيار حرب الاستنزاف. العيب الوحيد لحرب الاستنزاف هو استمرار الصراع، لكن وكما نشاهد فالحرب مستمرة في كل الأحوال ولا يوجد بديل مقبول سواء من النظام أو المعارضة، ومن ثم يصبح استنزاف النظام والأطراف الداعمة له خاصة إيران وحزب الله أفضل خيار أمام المعارضة وأصدقائها. وهذا يعني تبني إستراتيجية ما يعرف بالصراع منخفض الحدة low intensity conflict بهدف إنهاك النظام السوري وإيران وحزب الله، وبقاء الصراع داخل الأراضي السورية، وهو ما يتطلب تجاهل أي مبادرات لإنهاء الصراع مبكراً بعد أن ثبت عدم جدية الحل السلمي.

إن من مزايا حرب الاستنزاف أيضا تفويت الفرصة على إيران لاستخدم سوريا ورقة في مفاوضاتها مع الغرب حول مشروعها النووي. ولحرب الاستنزاف شروط من أبرزها (1) استمرار تقديم الدعم للمعارضة وترك كامل المسئولية في إدارة المعركة لهم (2) التخلي عن فكرة حشد موقف دولي لإسقاط النظام وذلك لعدم إمكانيتها كما ثبت (3) قفل الدول الصديقة لسوريا الملف الدبلوماسي لهذه القضية ووقف كافة الاتصالات لمدة عام على الأقل، وفي حال تم التواصل معهم فعليهم الرد بأنهم غير معنيين بهذه الحرب (4) إلقاء كامل مسئولية إنهاء الحرب على الأطراف الثلاثة المتورطة فيه بشكل مباشر وهي النظام السوري وإيران وروسيا (5) تحويل هذا الملف من وزارات الخارجية إلى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية مع ضرورة العمل على محاصرة الجماعات المتطرفة التي تسعى لتوسيع نطاق الحرب فضررها وأذاها على الشعب السوري لا يقل عن ضرر النظام.

إن تبني إستراتيجية حرب الاستنزاف سيدفع النظام السوري وحلفائه في نهاية الأمر إلى تغيير موقفهم والقبول بحل سلمي حقيقي يخلص الشعب السوري من معاناته ويجتث جذورها. أعلم أن لحرب الاستنزاف أضرار أقلها استمرار الصراع، لكن وكما هو واضح فالصراع مستمر سواء كان في شكل

حرب استنزاف أو غيره، وما نقترحه هنا هو فقط تغيير في كيفية إدارة الصراع. أخيراً فقد تكون حرب الاستنزاف أهون على الشعب السوري من استمرار النظام السوري في قتله وتهجيره وتبجح رئيسه على وسائل الإعلام بالانتصار على الإرهابيين والادعاء بأنه مستعد لقبول حل سلمي في حين انه يتفنن في وضع العقبات أمام هذا الحل.

http://www.elaph.com