كويزومي والنووي الإيراني

ارتبكت الحكومة اليابانية من تصريح لرئيس الوزراء الياباني السابق، السيد كويزومي، في الثالث من شهر اوكتوبر، يعارض فيه سياسة الحكومة اليابانية لإعادة تشغيل بعض مولدات الطاقة النووية، بعد أن صدر قرار حكومي بتوقيفها جميعا في شهر مارس من عام 2011، بعد زلزال توهوكو الكبير، الذي أدى لدمار ثلاثة مفاعلات نووية في محطة فكوشيما دايشي، وترافق بتسرب إشعاعي، ما زالت تعاني اليابان من اختلاطاته. فقد كتبت صحيفة اليابان تايمز في صفحتها الأولي مقال بعنوان، كويزومي: يعبر عن الدفع بالطاقة النووية وبعدم مسئولية، تقول فيه: انتقد رئيس الوزراء الياباني السابق، جونشيرو كويزومي، الحكومة بدفعها لإعادة تشغيل مفاعلات الطاقة النووية في اليابان، وطالبها بإعادة النظر في قرارها. ولخص انتقاده في محاضرته بالقول: الدفع بالطاقة النووية حينما لا يكون هناك إمكانية التخلص من نفاياتها الإشعاعية يعبر عن عدم المسئولية.”

فقد قرر رئيس الوزراء الياباني الحالي، السيد شنزو ابيه، بأن يدرس تعليق قرار الحكومة السابقة، ليسمح بإعادة العمل في بعض المفاعلات النووية المنتجة للطاقة الكهربائية. فقد عانت اليابان اجتماعيا واقتصاديا من نتائج زلزال عام 2011، حيث قتل أكثر من خمسة عشر ألف شخص، وجرح أكثر من ستة الالف، كما عاني 4.4 مليون مواطن من الحرمان من الطاقة الكهربائية، ولم تتوفر المياه لأكثر من 1.5 مليون شخص. كما أدى هذا الزلزال لتلف أكثر من مليون بناية، وتدمير الكثير من الجسور، والشوارع، والسدود. وطالبت الدولة من مواطنيها بترك مساكنهم في دائرة تزيد عن 80 كيلومتر من منطقة التسرب الإشعاعي. وقد تجاوزت كلفة هذا الزلزال 250 مليار دولار، وليعتبر من أكثر زلازل العالم كلفة في التاريخ.

وقد شرح السيد كويزومي تجربة حياته مع الطاقة النووية بالقول: “حينما كنت نائبا في المجلس النيابي امنت برأي الخبراء بأن الطاقة النووية فعلا صديقة للبيئة، وهي من أرخص أنواع الطاقة. ولكن أدى زلزال توهوكو الكبير عام 2011 لتغير رأيي، بعد أن بدأت الشك عما إذا كانت الطاقة النووية فعلا رخيصة وعديمة المخاطر.” ويعتقد السيد كويزومي بأن اليابان تستطيع أن تنمو اقتصاديا من جديد وبدون الطاقة النووية، كما طالب سعادته الحكومة والبرلمان بوضع قوانين تحضر استخدام الطاقة النووية.

فقد اقتنع السيد كوزومي بضرورة تجنب اليابان استخدام الطاقة النووية حينما زار ألمانيا مؤخرا، فوجد اهتمام الحكومة والشعب الألماني بضرورة التخلص من الاعتماد على الطاقة النووية، بل والعمل على استبدالها بالطاقة المتجددة، الصديقة للبيئة، وأكد بأن اليابان يمكنها الاستفادة من التجربة الألمانية، لتؤمن حاجتها من الطاقة الكهربائية، وذلك بالاعتماد على مواردها الطبيعية، الشمسية، والنهرية، والبحرية، والرياح، لإنتاج الطاقة المتجددة الصديقة للبيئة. وحذر السيد كويزومي بأنه ليس هناك طاقة أكثر كلفة من الطاقة النووية، حيث أن تبعات ازمات الطاقة النووية هائلة، كما أنها تحتاج لأكثر من خمسة عقود للتخلص من التلوث النووي من مفاعلاتها المنفجرة، بل اصر بضرورة التخلص من الطاقة النووية بمطالبته: “إني أطالب برقم الصفر للطاقة النووية.” وقد توقفت جميع المفاعلات النووية الخمسين في اليابان عن العمل بعد زلزال توهوكو الكبير في مارس عام 2011، حتى تتأكد الإدارة المسئولة عن تنظيم الطاقة النووية من سلامتها، وذلك بتوفر شروط السلامة الجديدة التي فرضها البرلمان الياباني مؤخرا، قبل اصدار قرار نهائي حول إمكانية اعادة تشغيلها.

تلاحظ عزيزي القارئ كيف تصر القيادات اليابانية على أهمية التوقف عن الاعتماد على الطاقة النووية، بعد تجربتها المريرة مع انفجار المفاعل النووي بمنطقة فوكوشيما، وتعمل المانيا أيضا جاهدة لتنهي اعتمادها على الطاقة النووية. كما أثبتت التجربة الاسكندنافية إمكانية الاعتماد على الطاقة المتجددة لتوفير الكثير من الطاقة الكهربائية اللازمة. بل أثبتت التجربة النرويجية أمكانية انتاج الطاقة المتجددة، وبيع الطاقة الاحفورية لخلق صندوق استثماري لضمان مستقبل الأجيال القادمة. في الوقت الذي تناضل بعض دول الشرق الاوسط، كإيران، لتزيد من استخداماتها للطاقة النووية، وتعرض تجارتها للمقاطعة الدولية الصارمة بسبب الشك في نواياها النووية، كما تعرض شعبها للازمات الاقتصادية وخطر التسرب الاشعاعي، وهي لا تمتلك القدرات التكنولوجية المتطورة للتعامل معه، حيث عجزت دول متقدمة تكنولوجيا من قبل كالولايات المتحدة وروسيا واليابان التعامل مع تحديات التسرب الاشعاعي.

فتعتمد إيران على محطة بوشهر النووية لتوفير الطاقة الكهربائية، وتقع هذه المحطة على بعد 17 كيلومتر من مدينة بوشهر، وعلى سواحل الخليج العربي، وتستخدم هذه المحطة مياه الخليج لتبريد محولاتها النووية. وقد بدأ العمل على إنشاء هذه المحطة في أيام حكم الشاه السابق في عام 1975، ومن قبل شركات المانية، وقد توقف العمل على تكملة بناء هذه المحطة بعد الثورة الايرانية في عام 1979. وفي عام 1995 تم توقيع اتفاقية لتكملة بناء هذه المحطة النووية بين إيران وروسا، ولكن تعرض العمل فيها للتأجيل عدة مرات بسبب الاوضاع الاقتصادية الإيرانية السيئة، وبسبب الضغوط الغربية. وقد تم تكملة بناء محطة بوشهر النووية في عام 2007، وافتتحت رسميا في عام 2011 ، كما انتقلت ادارة  المحطة النووية من الخبراء الروس إلى الخبراء الايرانيين في عام 2013.

وهناك قلق شديد عن مدى سلامة محطة بوشهر النووية، ومدى تحملها للزلازل الشديدة. والجدير بالذكر بأن الكثير من اجهزة هذه المحطة قديمة، وتفتقر لشروط انظمة السلامة للمفاعلات النووية، كما لا تمتلك ايران التكنولوجية والخبرة المتطورة للتعامل مع أية كارثة تسرب إشعاع نووي. والجدير بالذكر بأن محطة بوشهر النووية أقرب للعواصم الخليجية، الرياض، ومدينة الكويت، ودبي، والمنامة، والدوحة،  ومسقط، من قربها لطهران. ويعتقد الدكتور جاسم العوضي بأن محطة بوشهر النووية تقع على ملتقي ثلاثة طبقات الواح تكتونية، فهي في منطقة معرضة لزلازل شديدة، بينما تعتقد إدارة ناسا الجيولوجية الامريكية بأن هذه المحطة تقع على الواح طبقتين تكتونيتين، وهي العربية والأوروبية. ويؤكد المسئولون الإيرانيون بأن هذه المحطة النووية صممت لتتحمل زلزال بقوة 8 درجات. كما صنفت المؤسسة الدولية لتقدير الخطورة، بأن محطة بوشهر تقع في منطقة عالية الخطورة لزلازل، في الوقت الذي تصنف اليابان بأنها في منطقة عالية جدا لخطورة الزلازل.

وهنا يذكرني مرة أخرى هذا الوضع الحزين بمقولة جورج برنارد شو: “الرجل العاقل يتكيف مع العالم، أما الانسان الغير العاقل يصر على أن يتكيف العالم مع تفكيره، لذلك يعتمد تطور البشرية على الانسان الغير عاقل.” وهذا ما فعله حقيقة الرئيس الإيراني السابق احمدي نجاد، فأصر على أن يتكيف العالم مع لاعقلانيته، وعرض شعبه لخطر التسرب الاشعاعي، بل أفقر شعبه بالمقاطعة الدولية، ليتحدى العالم بمشروعه النوويي. في الوقت الذي تحاول اليوم دول العالم المتطور التخلص من هذه الطاقة النووية المكلفة جدا، والخطيرة جدا، وخاصة في الدول المعرضة للزلازل. فمن المعروف بأن إيران تقع في منطقة تصنف بأنها من الدول المعرضة بخطورة عالية للزلازل، كما تقع محطة بوشهر النووية في منطقة معرضة أية لحظة لزلازل كبير وخطير جدا. فلو حصل زلزال كبير في منطقة بوشهر النووية سينفجر المفاعل النووي وستتسرب الاشعاعات النووية في هواء سماء المنطقة ومياه بحر الخليج بل وأراضيها أيضا، ليتلوث شعاعيا الهواء الذي نتنفسه والماء الذي نشربه والثورة السمكية والزراعية التي نتغذى منها.كما لا يمكن التخلص من هده الاشعاعات النووية لأكثر من نصف قرن، فتفقد المنطقة أمنها المائي والغذائي. ويجعلني ذلك أن أتساءل كيف يعرض نظام يتشدق بالإسلام شعبه وشعوب جيرانه لهذا الخطر النووي المرعب؟ كما تبقى أسئلة أخرى لعزيزي القارئ: هل حان الوقت لأن يقف الشعب الإيراني معارضا لمغامرات قياداته النووية؟ وهل سيستطيع هذا الشعب العظيم أن يقنع حكومة الرئيس روحاني بتحقيق ذلك؟ وهل سيلعب الغرب دورا في وقف مغامرات إسرائيل النووية في المنطقة، وخاصة بعد ان بدأ التسرب الاشعاعي في مفاعلها النووي القديم؟ ولنا لقاء

 

الرابط الشبكي : http://www.elaph.com