الصفقة الايرانية الكبرى مع الغرب تقترب؟

المبارزة الكبرى التي خاضتها ايران في العصر الحديث مع الغرب لاستعادة امجادها الامبراطورية القديمة اصطدمت بوقائع مختلفة عن تلك التي جرت في أطوار صعودها وهبوطها السابقة.

رفعت الثورة الايرانية عام 1979 طموحات الايرانيين لتصدير رسالتهم الثورية للعالم، وهو الأمر الذي واجهه طموح معاكس من جارها العراق الذي كان يحمل راية البعث وأحلام القوميين العرب ببناء دولة عربية موحدة قوية، ومن وراء صراع الاتجاهين المختلفين ايديولوجياً تلاعبت القوى الإقليمية والعالمية بدماء وثروات البلدين، وفتحت الطريق على كارثة كبيرة لهما وكوارث أخرى كبيرة قادمة لشعوب المنطقة.
غير ان اندفاعة النمر الأمريكي الجريح نحو آسيا بعد هجمات نيويورك تحولت مع اجتياح افغانستان والعراق الى فرصة ذهبية للايرانيين كي يصرفوا خسائر الاتجاهات الاسلامية في افغانستان والقومية العربية في العراق (والتي تمّت ترجمتها بالميزان الطائفي ضرباً للعصبية السنّية) أرباحاً لهم بحيث تمكنوا فجأة من سلب التمثيل الرمزي للإسلام المكافح ضد الامبريالية والصهيونية، من الاتجاهات اليسارية والقومية والاسلامية العربية، واحتكروه لهم مكرّسين ذلك على شكل مصالح فعلية في جغرافيا اقليمية واسعة مفتوحة لهم ولاتباعهم ولحلفائهم في العراق وسورية ولبنان.
انعكس ميزان القوى الجديد ذلك نزعة هجومية لتوسيع بيكار النفوذ المتعاظم لايران من افغانستان حتى شمال افريقيا، بالتوازي مع تقدمها المستمر في مشروعها النووي، مما أدى الى حالة جغرافية – سياسية فريدة أصبح فيها إلحاح الخطر الإسرائيلي على بعض الدول العربية أقل مركزية من إلحاح خطر ‘الجار’ الايراني (مع إحساس بارانويا أحياناً بوجود مؤامرة مزدوجة ضد العرب).
مع انقضاء 34 عاماً على ثورتها وخوضها حرباً طاحنة وحروباً صغيرة عديدة بالوكالة في العراق ولبنان وفلسطين ومحاولتها الجسورة لانتاج قنبلة نووية، ومعاناتها تحت وطأة هذا الدور الكبير الذي شقّته لنفسها، اضافة الى العقوبات الاقتصادية الشديدة ضدها، بدأت النخبة الايرانية مراجعة حساباتها كما فعل الخميني مرّة حين اضطر لتجرّع ‘سم’ السلام.
تتلاقى هذه الوضعية الايرانية مع التوجه الامريكي الجديد لادارة اوباما التي تعاكس إرث بوش الهجوميّ بدبلوماسيات تختلف بالشكل وتلتقي بالمضمون، فهي لا تنشر الجيوش بل تستنزف هجوميّة اعدائها بدل استنزاف مواردها الخاصة، فيما تهاجم من تنتقيهم بطائرات دون طيار، وأثناء كل ذلك تتجسس على حلفائها وعلى العالم!
محادثات جنيف الحالية بين وزراء خارجية غربيين وممثلي ايران الدبلوماسيين، وان كانت متركزة على المشروع النووي، فانها مقدّمة عملية لمعالجة باقي أوراق ‘الامبراطورية’ الايرانية الجديدة الموضوعة على الطاولة في العراق وسورية ولبنان وفلسطين وغيرها، ولا تهمّ كثيراً التناقضات التي نسمعها بين تصريحات الايرانيين وحلفائهم في المنطقة، مثل تصريح وزير خارجية ايران محمد جواد ظريف عن استعداد طهران لـ’مطالبة القوى الاجنبية بالانسحاب من سورية’، والذي رد عليه أحد نواب حزب الله في لبنان بالقول بأن ‘النأي بالنفس انحياز الى معسكر الباطل’.
الغاء وزير خارجية ايران زيارته الى ايطاليا بسبب ‘التقدم’ الحاصل في المفاوضات وكذلك توجه كيري ووزيري خارجية المانيا وبريطانيا لترؤس وفود بلادهم يدلّ على الاقتراب من صفقة لا يمكن أن تكون، بالمحصلة النهائية، إلا على حساب كل المشروع الايراني، وليس النووي منه فحسب.
لكسب أكثر ما يمكن كسبه خلال المفاوضات الطويلة الجارية والتي يشكل ما يحصل في جنيف بداية لها، ستحاول ايران وحلفاؤها في المنطقة القيام بمبادرات عسكرية هجومية، وستدفع شعوب المنطقة، وخصوصا الشعب السوري، ثمن ذلك للأسف، لكن كل ذلك لن يكون قادرا على اخفاء أن البيكار الواسع الذي انفتح لايران ليتسع لامبراطورية سيضيق من الآن فصاعداً الى ان يعود الى حدود الدولة – الأمة، وربما الى اصغر من حدودها على المدى الطويل.

الرابط الشبكي : http://www.alquds.co.uk