الشركات التقنية متواطئة في مراقبة المظاهرات الإيرانية

الشركات التقنية متواطئة في مراقبة المظاهرات الإيرانية

الشركات التقنية متواطئة في مراقبة المظاهرات الإيرانية

يشهد العالم حاليًّا أكبر حركة احتجاج في إيران منذ انتفاضة الحركة الخضراء في عام 2009م. وعلى مدى الأسبوعين الماضيين حدثت اضطرابات في كل مدينة إيرانية كبرى وفي عشرات المدن الصغيرة. وقد كان الفساد بالإضافة إلى سوء الإدارة الاقتصادية والإهمال هي المظالم الرئيسية التي اندلعت بسببها الاحتجاجات، إلا أن الهتافات سرعان ما اتخذت طابعًا سياسيًّا. وكما هو متوقَّع قمعت الحكومة الاحتجاجات، فقد قُتل أكثر من 32 شخصًا، في حين تَعرَّض ما لا يقل عن 3700 شخص آخرين للاعتقال منذ بدء الاحتجاجات.
وذكر موقع “ويرد” الإلكتروني السبت، أن مظاهر القمع لم تقتصر على ما يجري في الشارع، فقد حرمت السلطات الإيرانية شعبها من إمكانية الوصول إلى الإنترنت في جميع أنحاء البلاد، فأغلقت إنستاغرام (Instagram) وتطبيق المحادثات النصية تليغرام (Telegram). إن حرية التعبير -التي تشمل الوصول الآمن إلى الإنترنت- تُعتبر من أهمّ أوردة الديمقراطية، ولكن مع إغلاق الإنترنت وتطبيق تليغرام باتت وسائل التواصل مقطوعة عن أكثر من 40 مليون مستخدم في إيران.
وكان لقرار تقييد الاتصالات تأثير هائل على حياة المواطنين الإيرانيين اليومية، بما في ذلك أكثر من 48 مليون مستخدم للهواتف الذكية. وذلك إلى أن الإيرانيين يفعلون على الإنترنت ما لا يستطيعون فعله عادةً في الشوارع والأماكن العامة، كالتجمع والتنظيم والتعبير عن أنفسهم. ويُعَدّ الإنترنت المنصة الرئيسية الوحيدة وأداة الاتصال الأبرز لدى المواطنين لتبادل أفكارهم معًا ومع العالم. وبسبب حظر تليغرام الذي كان يؤدِّي دورًا أساسيًّا في السماح للإصلاحيين بالوصول إلى دوائرهم الانتخابية، لجأ المحتجُّون الإيرانيون إلى أدوات التحايل والشبكات الافتراضية الخاصَّة (VPN) للوصول إلى المعلومات والاطِّلاع على آخر مستجَدَّات الاحتجاجات والتواصل معًا.
ولكن تجريد الإيرانيين من حقِّهم لم يقتصر على النظام، بل شمل شركات التقنية الأمريكية التي تَحُدّ من وصول المستخدمين الإيرانيين إلى الخدمات التي تقدِّمها شركاتهم -للمبالغة في تطبيق العقوبات الأمريكية- لأنهم يُسهِمون كذلك في الواقع بتقييد الوصول إلى الإنترنت وإعاقة ممارسة حرية التعبير.
تُعَدّ العقوبات المفروضة من الولايات المتحدة الأمريكية ضدّ إيران عقوباتٍ شاملة، وتشمل عديدًا من الأفراد والمؤسسات والصناعات، كما يخشى عديد من الشركات المتضررة من أنها إذا قدَّمَت الخدمات للمستخدم العادي في إيران، فإن ذلك سيُمكِّن الحكومة الإيرانية والصناعات التي وقعت عليها العقوبة من الوصول إلى هذه التقنيات، الأمر الذي سيكون له آثار قانونية ومالية بعيدة المدى على الشركات المتورطة. بَيْدَ أن مسؤولي وزارة الخارجية والذين تواصلنا معهم، قالوا إنهم يَنوُون دعم التدفُّق الحُرّ للمعلومات ودعم حقّ الشعب الإيراني من حيث حرية التعبير.
ورغم السنوات الطوال التي أمضوها في الترويج لمصالحهم من خلال المنظمات الإيرانية غير الحكومية خارج البلاد، فضلًا عن تراخيص مكتب الولايات المتحدة لمراقبة الأصول الأجنبية التي تُعفِي بعض الخدمات والمعاملات من العقوبات، إلا أن شركات التكنولوجيا لا تزال تواصل حرمانها الإيرانيين من الخدمات التي يمكن أن تكون ضرورية لممارسة حرية التعبير والحصول على مجال تواصل مفتوح.
ومن الأمثلة على ذلك نجد تطبيق سيغنال (Signal)، وهو تطبيق رسائل مشفرة مشهور يعمل كوسيلة آمنة للاتصال بين الإيرانيين. لقد أصبح هذا التطبيق حاسمًا بشكل خاصّ حاليًّا بعد حظر تليغرام. يُذكر أن سيغنال كان محظورًا منذ وقت طويل في إيران، ورغم امتلاك التطبيق ميزة التحايل على الرقابة فإنه يعتمد على تطبيق AppEngine التابع لغوغل، وهي خدمة سحابية قررت غوغل حظرها على مستخدمي الإنترنت الإيرانيين. وقد استمر هذا الحظر سنوات رغم محاولات الضغط وإمكانية الإعفاء بموجب الرخصة العامة D-1 من مكتب مراقبة الأصول الخارجية، وهي الوثيقة التي توضح كيفية تطبيق العقوبات على منتجات وخدمات التكنولوجيا. وفي حين أنها ليست الخدمة السحابية الوحيدة المتاحة للإيرانيين فإن تطبيق AppEngine التابع لغوغل من شأنه أن يوفِّر للشعب الإيراني إمكانية الوصول إلى تقنيات التحايل والشبكات الافتراضية الخاصة التي تخفي حركة التصفُّح عن الرقابة.
يُذكر أن سياسة تويتر بشأن إيران أثارت قلقًا دوليًّا هي الأخرى، فعادةً ما يسمح تويتر بتمكين المستخدمين من ولوج المنصة بعد تصديق ثنائي لحساباتهم عن طريق إدخال رقم الهاتف، ومن ثم تَلَقِّي رمز التحقق عبر رسالة نصية.
ولكن هذه الميزة غير متوافرة في إيران، مما يعني فعليًّا أن المستخدمين الإيرانيين لا يستطيعون تحسين أمن حساباتهم، وهي مسألة ذات أهمية خاصَّة للناشطين. وبشكل غير رسمي كانت شركة تويتر حذرت من أن احتكار الحكومة الإيرانية للاتصالات من شأنه أن يسمح للمسؤولين باعتراض الاتصالات والوصول إلى هذه الرموز قبل أن يقوم المستخدمون بذلك، وهو ما يثير قلق الناشطين الإيرانيين الموجودين على الأرض.
لا شك أن شركات التكنولوجيا الرائدة في العالَم تسعى جاهدة للموازنة بين عديد من الأهداف التي تكون متعارضة أحيانًا، إن لم تكُن متناقضة، مثل التصميم والتطوير والأمن والالتزام القانوني. ولكن إذا كانت التكنولوجيا ترغب في أن تصل إلى أعلى إمكانياتها وتحقِّق أكبر وعودها -لدعم الديمقراطية والحرية وتحسين حياة جميع الناس، بخاصة أولئك الذين هم في أمَسِّ الحاجة إلى أدوات رقمية للتعبير- فإن بوسع وادي السيليكون أن يفعل أكثر مما يفعله حاليًّا بكثير، إذ يجب ع الشركات مثل غوغل وتويتر إعطاء الأولوية لدعم الحركات الديمقراطية من ناحية التخطيط والتصميم والتنفيذ بما يتوافق مع السبل المؤدية إليها.
إن الحلول بسيطة، فمن خلال تزويد الإيرانيين بإمكانية الوصول إلى الخدمات الموجودة على تطبيق AppEngine التابع لغوغل فإن من شأن ذلك أن يصعّب على الحكومة الإيرانية مهمة فرض الرقابة على مواطنيها. كما يُمكن لتطبيق سيغنال (Signal) استخدام مقدِّمي الخدمات السحابية الأخرى، مثل أمازون (Amazon) وكلاودفرونت (Cloudfront) أو مايكروسوفت أزور (Microsoft Azure)، التي لا تمنع حركة التصفح الإيرانية. ويمكن أن يوفِّر تويتر للمستخدمين الإيرانيين خيار التصديق الثنائي من خلال السماح لهم بإضافة أرقام هواتفهم إلى حساباتهم. على الآخرين أن يفعلوا الشيء نفسه، فإن قائمة الخدمات التي لا يمكن الوصول إليها في البلاد بسبب الامتثال لنَصّ العقوبات تشمل سكايب (Skype) وأدوبي ريدر (Adobe-Reader) ووورد برس (WordPress) ودروب بوكس (Dropbox) وآبل فيس تايم (Apple’s FaceTime).
كذلك يمكن لوزارة الخارجية والخزانة أن تساعدا من خلال توفير التوجيه للشركات حول كيفية امتثالها للرخصة العامة D-1 مع إبقاء قنوات الاتصال والتكنولوجيا مفتوحة.
لقد بَنَت المنظمات التي نعمل لها مثل “متحدون من أجل إيران” ومنظمة “ASL19″، أدواتها التكنولوجية ووفّرَت الحلول للالتفاف على الرقابة المفروضة على الإنترنت في إيران، ولكن هذا لا يكفي؛ إذا كان وادي السيليكون ملتزمًا حقًّا بمبادئ الديمقراطية وحرية التعبير، فعليه أن يدعم قدرة الإيرانيين على التواصل معًا ومع العالم من خلال إعطاء الأولوية للوصول الآمن وغير المقيد إلى الخدمات.