الحراك الشعبي في العراق ضد التوغل الإيراني.. مؤشرات ودلالات

كشف تجدد الاحتجاجات بمحافظة البصرة العراقية ذات الغالبية الشيعية في 3 سبتمبر 2018 عن تحدٍّ عراقيّ جديد للمشروع الإيراني في العراق، يمكن أن يؤثر مستقبلًا على تكوين المعادلة السياسية الجديدة الحاكمة للدولة العراقية. أبرز ما في هذا التحدي أنه ذو طابع شعبي بعيدًا عن التكتلات السياسية والمحاصصات المذهبية الضيقة، وبعيدًا عن أي توجهات حكومية أو رسمية، بحيث لا تستطيع تطويقه ومحاصرته عبر أوراق ضغطها ومناطق نفوذها المنتشرة في ربوع الدولة العراقية. وقد انكشف هذا التحدي بتوجيه المحتجّين غضبهم تجاه المقرات الإيرانية، حيث أضرم المحتجّون النيران في القنصلية الإيرانية بالبصرة بعد تحطيمها يوم 7/9/2018، فضلًا عن تحطيم مقارّ أذرع الحشد الشعبي الفاعلة على الساحة العراقية مثل مقارّ عصائب أهل الحق وحزب الله العراقي، مرددين شعارات «إيران بره بره.. البصرة حرة حرة»، وذلك في أثناء تجدد احتجاجاتهم المستمرة منذ ما يقارب من شهرين، احتجاجًا على سوء الأوضاع الخدمية (أزمة مياه الشرب، الكهرباء، البطالة) بشكل عام، وتسمم عشرات الآلاف من أهالي المحافظة نتيجة تلوث كميات المياه المتاحة بشكل خاص.
تطرح تطورات الأوضاع الراهنة على الساحة العراقية تساؤلاتٍ عديدة لما يدور في هذا التوقيت الذي تشهد فيه العراق ولادة متعثرة للحكومة الجديدة، من أهم هذه التساؤلات: لماذا تجددت الاحتجاجات بالبصرة بالتزامن مع توقيت جلسة الانعقاد الأولى للبرلمان الجديد 3/9/2018؟ ولماذا أضرم المحتجّون النيران في القنصلية الإيرانية رغم إلقائهم اللوم على الحكومة العراقية؟ وما انعكاسات تجدد الاحتجاجات على درجة الاستقرار السياسي والأمني بالعراق؟ وما درجة تأثير تحدي المتغير الشعبي العراقي على التدخل الإيراني في مسألة تشكيل الحكومة الجديدة التي تطمح إيران أن يكون لها فيها اليد الطولى والقول الفصل وتكون هي تابعة للولي الفقيه؟ وما مستقبل التوغل الإيراني في العراق في ظل توالي التحديات الداخلية لإيران (أزمات اقتصادية، اجتماعية، سياسية، إلخ)، والخارجية (العقوبات الأمريكية، خصوصًا الحزمة الثانية من العقوبات المنتظر توقيعها في نوفمبر المقبل بالتزامن مع تنامي التحديات الداخلية العراقية للمشروع الإيراني)؟

بدايةً، تفاقمت الاحتجاجات بالبصرة بمجرد انتهاء جلسة الانعقاد الأولى للبرلمان لتسمية رئيس البرلمان الجديد وتحديد التحالف الأوسع لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة يوم 3/9/2018، تلك الجلسة التي شهدت إخفاقًا لقادة وأعضاء تحالف «البناء» ممثلًا بكل من رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي وزعيم منظمة بدر، هادي العامري، في تشكيل التكتل الأوسع لتشكيل الحكومة الجديدة بحصولهم فقط على توقيعات من أعضاء بالبرلمان الجديد بلغ عددهم 145 عضوًا، بينهم الأعضاء الذين انسحبوا من تحالف النصر، مؤكدين حصولهم على التكتل الأوسع، علمًا بأن تشكيل التكتل الأوسع يتطلب اكتمال النصاب القانوني وفق قانون الانتخابات العراقي بالحصول على أغلبية (النصف+1) بنحو 165 مقعدًا في البرلمان، حتى يتسنى له تسمية رئيس الحكومة وتشكيل الحكومة الجديدة، وذلك مقابل تسليم تحالف «الإصلاح والبناء» ممثلًا في زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر ورئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي قائمة التحالف الأكبر مكونة من 177 عضوًا بالبرلمان الجديد لأكبر النواب سنًّا بجلسة الانعقاد الأولى، وهو ما جعل أكبر الأعضاء سنًّا وهو النائب محمد الزيني يلجأ إلى المحكمة الاتحادية لتفسير كيفية احتساب عدد أعضاء التكتل الأوسع، وما زال رد المحكمة يراوح مكانه حتى تاريخه.
ويأتي انسحاب وكلاء إيران بالعراق من جلسة الانعقاد الأولى بالبرلمان الجديد امتدادًا لمعركة تكسير العظام التي يعيشها العراق في الآونة الأخيرة بين فريقين، الأول يناور لضمان بقاء العراق ضمن دائرة النفوذ الإيراني كون العراق مركز الثقل الاستراتيجي للمشروع الإيراني في المنطقة وضمان الحفاظ على النفوذ والمكتسبات الإيرانية في الأراضي العراقية، ويمثل هذا الفريق المالكي والعامري، والأمين العام لحركة النجباء أكرم الكعبي، وزعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، فضلًا عن قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني، والسفير الإيراني بالعراق إيرج مسجدي، وغيرهم ممن يأتمرون بأوامر الولي الفقيه ويمتنعون عن نواهيه ويدينون بالولاء لمرجعية قم. الثاني يسعى لعودة العراق إلى محيطه العربي لضمان الحفاظ على هويته العربية ونبذ الطائفية الضيقة التي أرهقت العراق اقتصاديًّا ومزقته سياسيًّا وأضرّت به أمنيًّا منذ سقوطه عام 2003.
إدراك الفريق الأول الطائفي المدعوم إيرانيًّا أن ترجيح كفة الميزان لصالح الفريق الثاني العابر للطائفية في المعادلة العراقية الجديدة هو نقطة المحك والمفسر الرئيسي لكل ما يدور على الساحة العراقية من احتجاجات شعبية وأزمات اقتصادية واضطرابات أمنية، فلم تجد إيران وسيلة لإخطار جميع اللاعبين الإقليميين والدوليين في المعادلة العراقية بأنها رقم صعب لا يمكن تجاوزه أقوى من إعطائها الضوء الأخضر (green light) لعملائها بالداخل العراقي للانسحاب من جلسة الانعقاد الأولى بالبرلمان العراقي بعد إخفاقهم في تشكيل تحالف من 165 عضوًا، وذلك بعد أيام قليلة من خبر تداولته وكالة أنباء «رويترز» بأن إيران زودت وكلاءها وأذرعها الشيعية في العراق بصواريخ باليستية من طراز «ذو الفقار» و«فاتح-110»، و«زلزال»، التي يتراوح مداها بين 200 إلى 700 كيلومتر، وهو ما وصفته واشنطن على لسان وزير خارجيتها مايك بومبيو بـ«القلق للغاية»، بينما نفته الجمهورية الإيرانية على ألسنة مسؤوليها وقادتها، ليلوح يوم 4/9/2018 وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان بإمكانية تقديم ضربات استباقية ووقائية ضد أهداف إيرانية في العراق.
كما لجأت إيران ممثلة في أذرعها المسلحة المنتشرة بالبصرة وغيرها من المحافظات الجنوبية ذات الأغلبية الشيعية إلى معادلة «تفجير الساحات» و«استغلال الأزمات القائمة» رغم وقوعها في محافظة شيعية لطالما تحسبها إيران ظهيرًا شيعيًّا قويًّا لمشروعها التوسعي، وذلك لإرباك المشهد السياسي العراقي برمّته بعد إدراكها إمكانية تداعي كروت قوتها وتقليص مناطق نفوذها المحتمل في ظل تشكل المشهد العراقي الجديد لصالح قوى سياسية عابرة للطائفية قد تخرج العراق من دائرة النفوذ الإيراني أو على أقل تقدير تبنيها سياسة متوازنة تراعي مصالح كل الأطراف الإقليمية والدولية، وإبراز إخفاقات الحكومة العراقية الحالية برئاسة العبادي الذي ينتمي إلى التكتل العابر للطائفية الذي بات يشكل تحديًا للنفوذ الإيراني في العراق، بهدف إعادة تشكيل اللعبة السياسية العراقية من جديد وتفويت الفرصة على تحالف الصدر-العبادي لتشكيل الحكومة الجديدة من خلال خلق فجوة بين طرفي التحالف بإحراج الصدر من الاستمرارية في التحالف مع العبادي، ووضع المحكمة الاتحادية العراقية المخولة بسلطة البتّ في تحديد التكتل الأوسع قانونيًّا أمام مأزق وتحدٍّ، فتجد نفسها سببًا في دخول العراق نحو نفق مظلم لا تُحمَد عُقباه إذا ما أعلنت أي قرار قضائي يضر بمركز حلفائها السياسي.
وما يعكس ذلك تجاهل الأذرع الإيرانية بالعراق إضرام الشعب العراقي بالبصرة النيران بالقنصلية الإيرانية، وكَيْلهم الاتهامات للعبادي وحكومته على إخفاقه في حل أزمة البصرة العالقة منذ أكثر من شهرين، فمن جهةٍ أعلن القيادي في ميليشيات الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس فشل العبادي في إدارة الأزمة، معترضًا على إقالته فالح الفياض من رئاسة الحشد الشعبي، وهو ما اعتبرته إيران قرارًا خاطئًا، مُرجعًا الانتصارات التي شهدها العراق على داعش ومنع انفصال إقليم كردستان العراق خلال فترة حكم العبادي إلى دور الحشد الشعبي وليس لإدارة العبادي وحكومته، بينما طالب قيس الخزعلي بمحاكمة العبادي باعتباره المسؤول الأول عن تحقيق الأمن والاستقرار في الدولة العراقية كونه القائد العام للقوات المسلحة العراقية، حيث لا يكفي إقالته مسؤولين أمنيين بالبصرة وبغداد، بينهم قائد العمليات بالبصرة الفريق جميل الشمري، وتعيين الفريق رشيد فليح، وحضوره وعدد من وزرائه جلسة البرلمان التي انعقدت يوم 8/9/2018 تلبية لطلب الصدر لتذليل العقبات والأزمات بالبصرة، فضلًا عن مطالبة كل من قائمة «سائرون» المدعومة من مقتدى الصدر وقائمة «الفتح» بزعامة العامري الحكومة العراقية بتقديم الاستقالة لفشلها في مجابهة الأزمة ومعالجتها.
ولكن يبقى المتغير الجديد والتحدي الأكبر أمام لمشروع الإيراني في العراق ليس فقط مسألة التكتل الأوسع التي يمكن المناورة بصددها وتحقيق مكاسب سياسية تجاهها، وإنما «الحراك الشعبي» ضد التوغل الإيراني، خصوصًا في المحافظات ذات الغالبية الشيعية – أي الظهير الشيعي أو المرتكز المذهبي في المشروع التوسعي الإيراني في العراق – بإضرامه النيران في القنصلية الإيرانية في مرة هي الأولى من نوعها منذ سقوط العراق عام 2003، فإذا ما استطاعت إيران تبني سلوك سياسي ضاغط على الحكومة العراقية وتخويفها من الذهاب بعيدًا عن إيران فإنها غير قادرة على تبني نفس النهج مع المواطن العراقي الذي بات يدرك خطورة إيران ومشروعها على مستقبل الدولة العراقية ومستوياته المعيشية والاقتصادية، فمن بين مفارقات الأمور أن مواطني البصرة يحتجّون على سوء أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية، ومسؤوليها يشكون عدم استلامهم مبلغ خمسة دولارات عن كل برميل نفط مستخرج من المحافظة، وهو ما فرضته القوانين العراقية من قبل، في حين أن البصرة تُعد من أغنى المحافظات العراقيّة بما تملكهُ من:
– مواردها النفطية: أهمّ رئة اقتصادية للإيرادات الحكومية العراقية -العاصمة الاقتصادية للعراق- حيث يتركز الجزء الأعظم من الاحتياطي النفطي العراقي في البصرة، حيث تمتلك 15 حقلًا منها 10 منتجة وخمسة ما زالت طور الإصلاح والتأهيل، وتحتوي على أكثر من 65 مليار برميل من النفط، ما يقدر بنسبة تقرب من الـ60% تقريبًا من إجمالي الاحتياطي النفطي العراقي، بينما يشكل الاحتياطي النفطي للبصرة وذي قار وميسان مجتمعة 71% من إجمالي الاحتياطي العراقي.
– قوتها الجيوسياسية: تقع البصرة أقصى جنوب العراق لتشكل الحدود الدولية مع إيران والكويت، وبذلك تعد المنفذ البحري الوحيد للعراق -يوجد فيها المواني البحرية الوحيدة في البلاد- ويطلق عليها «عين العراق»، وهو ما جعلها الثغر الوحيد للعراق على الخليج العربي والعالم، وما يجعلها أيضًا غنية بالموارد المائية، إذ تمتلك شريطًا ساحليًّا طويلًا على الخليج العربي يقدر بنحو 60 كم2، وتحظي برقعة جغرافية كبيرة، 19 ألف كم2، تكبر مساحة بعض الدول، وبعدد سكان 4.7 مليون نسمة، وتحتوي على ما يؤهلها للعب دور حيوي على مختلف الأصعدة الجيوسياسية والاقتصادية والسياسية والعسكرية.
ورغم هذه الموارد الاقتصادية والمائية التي تشكل العصب الرئيسي للاقتصاد العراقي، فإن أبناءها يعانون جوعًا ويشكون عطشًا في ظل سيطرة إيران وأذرعها المنتشرة بالمحافظة كعصائب أهل الحق وحزب الله العراقي وحركة النجباء وحزب الدعوة الشيعي جناح المالكي على تلك الموارد في ظل الاستراتيجية الإيرانية بالسيطرة على المواقع الحيوية النفطية والجيوسياسية لاستخدامها كأوراق ضغط قوية، إما ضد الحكومة العراقية ذاتها إذا ما حاولت الخروج من دائرة النفوذ الإيراني، وإما ضد الفواعل الإقليمية التي تسعى لعودة العراق إلى محيطة العربي، وذلك من خلال إخطار الجميع في الداخل والخارج بأنها قادرة على التأثير وتفجير الساحات، ولكن يظل العامل الشعبي العراقي التحدي الأخطر أمام إيران وميليشياتها، فكيف تتعامل إيران مع هذا التحدي الشعبي الخطير جدًّا للمشروع الإيراني بالعراق؟ وما أثر ذلك على تشكيل الحكومة الجديدة؟ ستجيبنا الأيام القليلة القادمة عن هذه التساؤلات.