التقارب الأمريكي ـ الإيراني.. دوافعه.. ومآلاته

تشهد العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية غزلاً متبادلاً وإشاراتٍ ومواقف تنم عن رغبة الطرفين في تمهيد الطريق أمام التوصل إلى حلولٍ سياسية للقضايا والملفات العالقة بينهما، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني. فقد تزامن إعلان فوز حسن روحاني في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسيّة، مع بوادر تغييرٍ واضح في لغة التخاطب الإيرانية مع الغرب، تتسم في جوهرها بالواقعية. كما بدأت تصدر إشاراتٌ توحي بأنّ طهران ترغب في فتح صفحةٍ جديدة من التعاطي مع واشنطن، في ما يرتبط تحديدا بالملفّ النووي؛ فقد جرى اختيار محمد جواد ظريف وزيرا للخارجية، وهو المعروف باتصالاته الواسعة مع الأمريكيين، خلال فترة حكم الرئيسين الأسبقين رفسنجاني وخاتمي؛ وذلك بالتوازي مع نقل إدارة الملف النووي من مجلس الأمن القومي إلى وزارة الخارجية. ومثل النشاط الدبلوماسي الإيراني على هامش الدورة الـ68 لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، مظهرا آخر متقدما للتقارب الإيراني – الأمريكي؛ إذ التقى وزير الخارجية الإيراني ظريف بنظيره الأمريكي جون كيري، ثمّ جاء الاتصال الهاتفي مع أوباما ليتوج حملة إذابة الجليد، ويهيئ الأجواء للانتقال إلى طورٍ جديد محتمل في العلاقات بين البلدين.

دوافع التقارب الأمريكي الإيراني تنبع من رغبة الإيرانيين في مواجهة الحصار الاقتصادي المفروض على بلادهم، فقد فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عام 2012، حزمة جديدة من العقوبات، شملت حظر استيراد النفط الإيراني، ومقاطعة البنوك الإيرانية. وكانت حزمة العقوبات هذه التي يتعرض لها الاقتصاد الإيراني، هي الأشد في سلسلة العقوبات الغربية منذ عام 1979، نظرا للآثار التي خلفتها على مستوى معيشة الشعب الإيراني، فازدادت نسب البطالة، وارتفع التضخم المالي، وانخفضت قيمة العملة الإيرانية، واستشرى الفساد.
بعد وصوله إلى السلطة، شخص روحاني مشاكل البلاد في قضيتين أساسيتين، هما السياسة الخارجية والاقتصاد، فرأى أن التوصل إلى تسوية مع الغرب بخصوص الملف النووي يُعد السبيل الوحيد لرفع العقوبات الاقتصادية، وتحسين الأوضاع الداخلية ومستوى معيشة المواطن الإيراني.
ترتيبات الخلافة على مستوى ولاية الفقيه، بعد أن بلغ المرشد خامنئي من العمر عتيا، قبل رحيله، وبما يؤمن سبل دوامه واستمراريته، واحد من الأسباب التي جعلت إيران تراجع حساباتها أيضاً، حيث يرى المرشد أن أفضل السبل لحماية النظام وضمان استمراره هو إنهاء المواجهة مع الغرب، أو على الأقل تخفيفها، وبدء عملية قد تكون طويلة لتطبيع العلاقات معه، في إطار ما أطلق عليه اسم ‘الليونة الشجاعة’.
ومع وصول الرئيس أوباما إلى الحكم في البيت الأبيض عام 2009، وإعلان عزمه على سحب كامل القوات الأمريكية من العراق بحلول نهاية عام 2011، ومن أفغانستان بحلول نهاية عام 2014، بدأت طهران تعد نفسها لمَلء الفراغ الناجم عن الانكفاء الأمريكي، لكن، لم يُكتب للحلم الإيراني أن يتحول إلى واقع؛ ففي حين كان آخر جندي أمريكي يغادر العراق، انطلقت الثورة في سورية ضدّ نظام بشار الأسد، حليف إيران في العالم العربي. وعلى الرغم من كل المساعدات التي قدمتها إيران لسحق الثورة السورية، باءت كل محاولاتها بالفشل، وأصبح لزاما عليها أن تتخلى عن أحلام الهيمنة الإقليمية التي راودتها، وذلك مع اهتزاز سلطة بشار الأسد في سورية واضطراب وضع حلفائها في العراق؛ نتيجة تدهور الوضع الأمني وتفاقم النقمة الشعبية على سياسات المالكي.
لا شك أن دوافع النظام الإيراني للتقارب مع الغرب والولايات المتحدة قابلتها رغبة أمريكية في تجاوز حروب الماضي وآثارها، والتوجه نحو الحلول الدبلوماسية الأقل كلفة في معالجة الملفات السياسية المختلفة، مع اتساع رقعة الدين العام الأمريكي ومشاكل الرئيس أوباما مع الجمهوريين في الكونغرس لتمرير الموازنة العامة وخفض النفقات، وخلق فرص عملٍ جديدة، وإعادة ترميم البنية التحتية المتهالكة. ووفقا للقراءة الأمريكية، تعد الظروف الإقليمية والدولية، خاصة بعد بروز سابقة تخلي النظام السوري عن سلاحه الكيماوي، مقابل الامتناع عن ضربه عسكريا، ملائمة للتوصل إلى تسوية تهدف إلى تخلي إيران عن برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات عنها، وتطبيع العلاقات معها.
سيجد الطرفان (الولايات المتحدة وإيران) صعوبات وعقبات جمة في مواجهة حواجز سنوات طويلة من عدم الثقة بين الطرفين، فمن الممكن أن يؤدّي انخفاض مستوى التوتر بين إيران والغرب إلى تفاهماتٍ موقتة تَحُول دون وقوع صدامٍ عسكري، لكنها لا تكفي لعقد تسويةٍ شاملة؛ نظرا لصعوبة الملفات المطروحة، وتعدد الأطراف ذات المصلحة فيها. ويمكن أن يقود مسار التقارب الحالي إلى تسويةٍ شاملة للملفات العالقة، تنتهي بتوافقٍ إيراني – أمريكي يحفظ مصالح الطرفين، ومن ضمنها طبعا المصالح الإسرائيلية. كما أنه من الممكن أن يفضي التقارب إلى ما يبرع فيه الإيرانيون، بحسب خصومهم، وهو شراء مزيدٍ من الوقت من دون تقديم تنازلاتٍ تُذكر، في انتظار الوصول إلى نقطة اللاعودة في خصوص حصولهم على تكنولوجيا إنتاج السلاح النووي، أو أملا في تمكن حلفائهم الإقليميين من قلب معادلات القوة لصالحهم في العراق وسورية.
كل ذلك من المتوقع أن ينعكس على واقع الحال في المنطقة العربية والعالم، وعلى العرب قبل غيرهم أن يكونوا متنبهين لعواقب أي تفاهمات قد تجري في المنطقة بين إيران والغرب على حسابهم، أو على الأقل.. التأثير في مساره بما يخدم مصالحهم أولاً.

الرابط الشبكي : http://www.alquds.co.uk