إيران وترامب…. ودبلوماسية حافة الهاوية

د. نبيل العتوم
إيران وترامب…. ودبلوماسية حافة الهاوية

تقول إيران : إن الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) شخص مزاجي متقلب وانفعالي وغير متزن، ولا يمكن التعويل على ما يقول بتاتاً، وإن ما يقوله في أي قضية متعلقة بإيران وغيرها يندرج في إطار المساومات، ورغبة في الصفقات وابتزاز الدول ، ولا يمكن اعتباره على أنه القول الفصل؛ (فترامب ) يهدد، ويقول، ويطرح رأياً سرعان ما ينكره، أو يناقضه برأي آخر مختلف تماماً، وكثيراً ما يهدد، ولا يترجم أقواله إلى أفعال كما حدث في سوريا مؤخراً، فقد هدّد وأرعد، وكان ردة فعل جيشه باهتة لا قيمة لها، فهو سرعان ما يتراجع عن تهديداته، دون سبب واضح، ويمكن الإشارة بسهولة إلى حجم التهديات الكبير الذي وجهه إلى إيران متوعداً، حيث تمّ رصد أكثر من 300 تصريح ضدها خلال فترة رئاسته التي لم تتجاوز العام ونصف العام.

تضيف إيران أنها لا تتعامل يقطعاً “بجدية” مع تصريحات وتغريدات وتهديدات (ترامب) اليومية والمتناقضة ضدها، ويعزون ذلك إلى حجم التباينات بين الأقوال والأفعال واعتبارها “استراتيجية حرب نفسية ” تريد توظيف الأزمة مع طهران بغرض المزيد من المساومة والابتزاز لدول الخليج العربي، واستنزافها، وإجبارها على عقد صفقات السلاح المهولة، وتبرير استمرار وجودها في المنطقة .

تستبعد طهران تماماً إمكانية واشنطن في توجيه ضربة عسكرية ضدها، فهذا الخيار ساقط تماماً من الحسابات الإيرانية، وأن أقصى ما يمكن فعله فرض المزيد من العقوبات التي تعايشت معها طهران منذ أكثر من ربع قرن، معتبرين أن التبريرات الاتهامية التي يسوقها (ترامب) رغم تفاهتها إلا أن الكثير من الحكومات العربية تحاول الترويج لها؛ كاتهام طهران بالإرهاب ونشر الفوضى ودعم الجماعات المتشددة وسعيها لعسكرة برنامجها النووي ….وجل هؤلاء مضطرين للتسويق لهذه الأفكار وذلك لنهب ثروات شعوبهم من خلال صفقات التسلح، والاستمرار في قمع شعوبهم بذريعة الخطر الإيراني، والجميع كانوا مضطرين لاعتماده من اجل إبعاد “شبح” الإطاحة بنظمهم الدكتاتورية؛ على اعتبار أن إيران واحة الديمقراطية وحقوق الإنسان .

يحلل الإعلام الإيراني المحسوب على الجناح المحافظ ومن والاه تحليل “ شخصية ( ترامب) من خلال موقفه من الاتفاق النووي الموقع بين إيران ومجموعة 5+1، وتعتبر أن هذا الموقف ينطلق من موقف شخصي ضد إدارة سلفه باراك اوباما، والسعي لنسف إنجازاته، ومن أبرزها صفقة الاتفاق النووي مع إيران، التي عدت من أهم انجازاته على الصعيد الخارجي، ومما يعظم من حقد (ترامب) على النظام الإسلامي الثوري ذكريات (ترامب) الماجنة التي جلت أثناء سفره إلى إيران زمن الشاه، ومن علاقة غرامية مع بعض النساء من أصل إيراني المحسوبة على مجاهدي خلق، من دون أن يقدم مسوغاً منطقياً واحداً لموقفه هذا من أجل إقناع اقرب حلفائه الغربيين، الذين كانوا ومازالوا يعتمدون على تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي أكدت 11 مرة لمدى التزام إيران الكامل والشفاف بهذا الاتفاق .

تعتقد إيران جازمة أنه لا بديل منطقي عن هذا الاتفاق ، ولا إمكانية لإجراء أي تعديل عليه، لأن المطروح أميركياً هو انتهاك صارخ لحقوق إيران وسيادتها، وأن الموافقة على أي مطلب أميركي هو بمثابة الانتحار السياسي ، بموازاة ذلك فإن دول العالم الفاعلة والمؤثرة وفي مقدمتها روسيا والصين وحتى أوروبا، لا ترى بديلا للاتفاق النووي، حتى أن هناك نخب سياسية وعسكرية حذرت الإدارة الأميركية الانسحاب من الاتفاق النووي فتم إقصائهم . لم يقف الأمر عند هذا الحد فقد انقلب (ترامب) على الأعراف الدبلوماسية، وبدأ بالاستعراض وإطلاق التهديدات الفارغة ضد إيران ؛ الأمر الذي جعل الرئيس الفرنسي ورئيسة الوزراء البريطاني، والمستشارة الألمانية وكل زعماء أوروبا لا يشاطرون (ترامب) آراءه ومواقفه، حيث أجمع جلهم بأنه لا بديل عن الاتفاق النووي بتاتاً ، فهو اتفاق أممي وليس ثنائياً بين أميركا وإيران، وبات الجميع يدرك تماماً مخاطر الانسحاب منه، وتداعيات ذلك على الأمن الإقليمي والعالمي .

تؤكد طهران ليل نهار أن الإدارة الأميركية قد فشلت في إقناع الطرف الأوروبي إلغاء الاتفاق ، لكن من غير المستبعد أن يخرج (ترامب) من الاتفاق النووي في 12 مايو / أيار القادم ، ولكن ما نتائج هذا الخروج وتداعياته إقليمياً ودولياً ؟ تعهدت إيران على لسان مسؤوليها استئناف تخصيب اليورانيوم بسرعة استثنائية وبمعدلات أعلى، والتلويح بإعادة تركيب أكثر من عشرين ألف جهاز طرد مركزي، وتكرار الحديث حول انسحاب إيران من معاهدة الانتشار النووي، إلى جانب تسريع وتيرة برنامجها الصاروخي ذي المديات المختلفة، هذا بالإضافة إلى إعادة النظر في استراتيجيات إيران الإقليمية، مع التعهد بجعل واشنطن تدفع ثمناً غالياً؛ مع التأكيد على أهمية اعتمادها دبلوماسية حافة الهاوية من خلال التصعيد السياسي والميداني، وتفجير الوضع الإقليمي برمته، بغرض رفع أسعار النفط بشكل جنوني؛ مما يخدم الاقتصاد الإيراني، ولينعكس ذلك سلباً على أميركا، وليجعلها تدفع ثمن تهديدات (ترامب)، وعنترياته الفارغة.

رئيس وحدة الدراسات الإيرانية

مركز أميه للبحوث والدراسات الإستراتيجية