أميركا والصفقة الإيرانية .. والحذر العربي المشروع

هناك كلام كثير يدور في شأن الصفقة التي تسعى ايران الى عقدها مع “الشيطان الاكبر”. فحوى الصفقة، من وجهة النظر الايرانية، البرنامج النووي العسكري في مقابل الاعتراف بالدور الاقليمي المهيمن لطهران من المحيط الى الخليج وحتى الى ما يتعدّى ذلك. هذا يعني بطبيعة الحال بروز سؤال يطرح نفسه بالحاح ليس بعد الحاح:

هل تكون هذه الصفقة على حساب دول الخليج العربية عموما ولبنان بشكل خاص؟
بكلام أوضح، هل تعتقد ايران أنّ في استطاعتها عقد صفقة مع الولايات المتحدة تتناول برنامجها النووي، في جانبه العسكري، في مقابل تكريس دورها على الصعيد الاقليمي بدءا بالبحرين وصولا الى لبنان، مرورا باليمن ودول الخليج والعراق؟
لم يعد مستبعدا أن تسمح الادارة الاميركية الحالية بمثل هذه الصفقة في ضوء التصرّفات العجيبة لاركانها، على رأسهم الرئيس باراك أوباما. تبيّن ان الرئيس الاميركي مهتمّ بالرسائل التي على جهاز “بلاكبيري” الخاص به أكثر بكثير مما هو مهتمّ بالوضع السوري. نقل عنه مسؤولون اميركيون أنّه كان يقلّب بين الرسائل التي على جهازه في اثناء الاجتماعات التي كانت تنعقد على اعلى المستويات للبحث في ما يدور في سوريا وفي كيفية الرد على استخدام بشّار الاسد كلّ انواع الاسلحة، بما في ذلك السلاح الكيميائي في المواجهة التي يخوضها مع شعبه. هذا على الاقلّ ما ورد في صحيفة “نيويورك تايمز” التي لا يمكن، الى اشعار آخر، أن تخترع اخبارها…
في الماضي القريب، وفي كلّ الاجتماعات السرّية والعلنية التي دارت بين مسؤولين أميركيين وايرانيين في شأن العلاقات بين البلدين، أكان ذلك في العراق أو على هامش المفاوضات في شأن البرنامج النووي، كان هناك دائما هدف ايراني واضح. يتمثّل هذا الهدف في الاعتراف بالدور الاقليمي لطهران، خصوصا بعدما نجحت في تحقيق ما تعتبره “انجازات” معيّنة.
في مقدّم هذه “الانجازات” تأكيد طهران أنّها صاحبة الكلمة الاولى والاخيرة في العراق. من يتذكّر أنّ ايران تركت العراق معلّقا من دون حكومة، كما الحال في لبنان الآن من أجل فرض نوري المالكي بديلا من أيّاد علاوي؟ كان ذلك في العام 2010 بعد فوز حزب علاّوي في الانتخابات النيابية بفارق صغير، لكنّه كان كافيا، ليسمح له بتشكيل الحكومة.
يأتي بعد ذلك، تحريك الوضع في البحرين من منطلق مذهبي، وتوسيع نفوذ “حزب الله” في لبنان وتوريطه بشكل مباشر في الحرب التي يتعرّض لها الشعب السوري، على حساب مؤسسات الدولة اللبنانية طبعا. ترافق ذلك مع استكمال السيطرة على سوريا بعدما أصبح النظام فيها أسير الوجود العسكري والامني الايراني في لبنان وحتّى داخل سوريا نفسها.
أمّا في اليمن، فقد اصبح لايران وجود ثابت عبر “الحوثيين” الذين يتمددون يوميا في اتجاه صنعاء، وحتى في اتجاه الوسط الشافعي ومدينة تعز بالذات، كما يخوضون معارك مع السلفيين في شمال الشمال اليمني بهدف الانتهاء من أي وجود معاد لهم فيه.
لا يمكن تجاهل النفوذ الايراني في السودان أو في اريتريا ومحاولات التسلل الى البلدان العربية في المغرب. كذلك لا يمكن تجاهل أن ايران سعت الى وضع الاخوان المسلمين في مصر تحت جناحيها قبل أن ينتفض الشعب المصري في الثلاثين من حزيران- يونيو الماضي ويخلّص البلد من محاولة جدّية للقضاء على اي أمل في اعادة الحياة اليه.
أخيرا، وليس آخرا، سعت ايران ولا تزال تسعى الى وضع يدها على القضية الفلسطينية والمتاجرة بالشعب الفلسطيني وتسخيره لخوض حروب تعود عليه بالويلات كما حصل في غزّة.
لم تكن ايران بعيدة في أيّ وقت عن محاولات زعزعة الامن في الاردن وتشجيع كلّ من يعمل على ضرب الاستقرار في المملكة التي تقف في وجه السياسات الاسرائيلية ذات الطابع التوسّعي، بما في ذلك حماية القدس.
هذا مجرّد غيض من فيض “الانجازات” التي حققتها ايران، خصوصا بعدما كانت المنتصر الاوّل والوحيد من الحرب الاميركية على العراق. هل تعترف الادارة الاميركية بهذه “الانجازات” وتعتبرها امرا واقعا لا يمكن الهرب منه؟
من الواضح أن ايران في حاجة الى رفع العقوبات التي تعاني منها كي تلتقط انفاسها وتتابع “انجازاتها”. هذا ما يدفع معظم العرب الى التشكيك في جدوى أي صفقة اميركية-ايرانية، في حال كان مطلوبا تعزيز الاستقرار في الشرق الاوسط بدل زيادة البؤر المضطربة فيه من منطلق مذهبي.
الاكيد أن وزير الخارجية الاميركية جون كيري، الذي توجّه الى الخليج، ليس الشخص الذي يستطيع تبديد المخاوف العربية نظرا الى أن القرار في واشنطن يتخّذ في اطار حلقة ضيقة محيطة باوباما بعيدا عن الخارجية وحتى وزارة الدفاع. هناك شخصيات اميركية محيطة بالرئيس تمتلك نفوذا كبيرا وتعتبر أن لا مصلحة للادارة الاميركية بأي تورط من أي نوع كان في الشرق الاوسط وأنّ “الخطوط الحمر” التي يتحدّث عنها أوباما بين حين وآخر، ليست سوى كلام ليل يمحوه النهار.
هذا الواقع الاميركي ليس سرّا. كذلك، لم يعد سرّا أن ايران تسعى الى الاستفادة منه الى أبعد حدود. انّها تحاول تمرير صفقة تكرّس دورها الاقليمي من منطلق أن سلاح “حزب الله” صار موجّها الى السوريين واللبنانيين ولم يعد يشكّل تهديدا لاسرائيل وأن النظام السوري يتعاون الى أبعد حدود في مجال التخلّص من السلاح الكيميائي…
قد لا تمانع ادارة أوباما في مثل هذه الصفقة، خصوصا أن رد الفعل الاميركي على استخدام النظام السوري للسلاح الكيميائي يشرّع الابواب أمام كلّ المفاجآت التي لم تكن على الاطلاق من النوع الذي يسرّ العرب عموما.
مثل هذا الحذر العربي المشروع من السياسة الاميركية يفسّر الى حدّ كبير ما أقدم عليه العرب الواعون أخيرا من خطوات لا يفهم منها الاّ أمر واحد. هذا الامر يتلخّص بأنّ المصالح العربية عموما، لا يحميها ولا يدافع عنها الاّ العرب انفسهم!

http://www.almustaqbal.com