آفاق اتفاق بين إيران والقوى الكبرى

آفاق اتفاق بين إيران والقوى الكبرى

 

 

أثارت الحملة التي أطلقها الرئيس الإيراني حسن روحاني لطمأنة العالم أزاء البرنامج النووي لبلاده توقعات بحدوث اختراق دبلوماسي، بلغت ذروتها في جولة المفاوضات التمهيدية التي عقدت في منتصف اكتوبر/تشرين الأول في جنيف بين إيران ومجموعة “5+1” (القوى الخمس الكبرى والمانيا)، وبعد أن تسببت العقوبات الدولية بضرر كبير للاقتصاد الإيراني، من الممكن أن يكون قد أصبح لدى طهران دافع للقيام بخطوات من أجل كبح برنامجها النووي، بما في ذلك قبولها بوضع حدود لمستويات تخصيب اليورانيوم، مقابل تخفيف الضغط .

إن محاولة ابقاء إيران بعيدة بقدر الإمكان عن صنع أسلحة نووية، من خلال الإصرار على تفكيك برنامجها للتخصيب كلياً، تبدو معقولة . ولكن في الواقع، مطلب الحصول على مثل هذا الاتفاق الأمثل سيحكم على العملية الدبلوماسية مع إيران بالفشل، ما سيجعل اسوأ النتائج، وهي إما اندفاع إيران نحو عسكرة برنامجها النووي وإما خوض مواجهة عسكرية معها، أكثر احتمالاً بكثير .

إن تخصيب اليورانيوم هو سبيل للحصول على مواد انشطارية مخصبة بدرجة مرتفعة تكفي لصنع أسلحة نووية . ولهذا، فإن عدم وجود أية أنشطة تخصيب اطلاقاً سيجعل التحقق من عدم وجود برنامج نووي عسكري أكثر سهولة بكثير مما إذا كانت هناك أنشطة تخصيب بدرجات متفاوتة . وطبعاً، سيكون من الأفضل أن توقف إيران كل أنشطتها لتخصيب اليورانيوم . علاوة على ذلك، معظم الدول التي لديها محطات للطاقة النووية المدنية تمتنع عن التخصيب داخل أراضيها، ولهذا يبدو من المعقول مطالبة إيران بأن تفعل بالمثل، خصوصاً وأن بلداناً مثل البرازيل، والارجنتين، والمانيا، واليابان، وهولندا، لديها قدرات تخصيب داخل أراضيها، ولكنها تبقى ملتزمة بمعاهدة حظر الانتشار النووي .

ولكن إذا كان توقف إيران عن التخصيب بصورة نهائية سيشكل الحل الأمثل، إلا أنه غير واقعي أيضاً، ذلك أن النظام الإيراني استثمر رأسمال سياسياً هائلاً ومليارات الدولارات على مدى عقود من أجل اكتساب المعرفة وتكنولوجيا الطرد المركزي اللازمتين لتخصيب اليورانيوم . ولهذا سيكون من المستحيل إعادة المارد إلى القمقم . وفي الواقع، من الصعب أن يوجد في العالم كله ولو خبير واحد في الشؤون الإيرانية يعتقد بحسن نية أن طهران يمكن أن تقبل اتفاقاً مع مجموعة “5+1” يتضمن تخليها عن التخصيب كلياً وبصوة دائمة .

وفي ما يلي الأسباب التي تفسر لماذا:

1- قبول وقف التخصيب سيعني انتحاراً سياسياً بالنسبة لروحاني .

الرئيس الإيراني لا يمكنه ببساطة أن يوافق على إنهاء التخصيب بصورة دائمة . ففي عام ،2003 خلال اضطلاعه بدور المفاوض الإيراني حول البرنامج النووي، أقنع روحاني المرشد الأعلى علي خامنئي بقبول تعليق مؤقت للتخصيب . إلا أن المفاوضات اللاحقة مع المجتمع الدولي وصلت إلى طريق مسدود في وقت مبكر من عام 2005 نتيجة لعدم التوصل إلى اتفاق بشأن حق إيران في التخصيب، فالغت طهران تعليق التخصيب . ويعتقد روحاني، مثله في ذلك مثل المرشد الأعلى ومنتقديه في الحرس الثوري الإيراني، أن الغرب حصل على تنازلات إيرانية، ولكن طهران لم تحصل على أي شيء في المقابل . وفشل تلك المقاربة الإيرانية بقيادة المفاوض روحاني سهل صعود محمود أحمدي نجاد وسياساته المتشددة، بما في ذلك تطوير قدرات لتخصيب اليورانيوم أوسع نطاقاً وأكثر تطوراً بكثير . والآن، من المستبعد أن يرتكب روحاني ذلك الخطأ مرة أخرى، وحتى إذا أمكن اقناع روحاني بطريقة ما بأن يفعل ذلك، فسوف يتعرض لهجوم شرس من التيار المتشدد، ما سيضعف رئاسته بقدر كبير .

2- مسألة اعتزاز ومبدأ بالنسبة للنظام

استثمر النظام الإيراني الكثير جداً من شرعيته داخلياً من أجل الدفاع عن “حقوق” إيران (بمعنى التخصيب داخل الأراضي الإيرانية)، بحيث لا يمكنه الآن الاذعان كلياً، مهما تكن الضغوط الخارجية قوية . والبرنامج النووي و”مقاومة القوى المتغطرسة” متأصلان بقوة في مبرر الوجود الايديولوجي للجمهورية الإسلامية . وخامنئي، صاحب القرار النهائي في الملف النووي، والحرس الثوري لن يتخليا عن البرنامج النووي برمته، لأن ذلك سيعد بنظر مؤيديهما ومعارضيهما على السواء هزيمة تامة .

غير أن خامنئي يمكن أن يقبل اتفاقاً يقيد البرنامج النووي الإيراني ويعترف في الوقت ذاته بتخصيب محدود .

3- إذا اختارت إيران صنع السلاح النووي، فلن توقفها العقوبات على المدى الطويل .

رغم أن الصقور يعتقدون أن إيران على حافة الهزيمة، وأن فرض عقوبات إضافية عليها يمكن أن يرغمها على تفكيك برنامجها النووي برمته، إلا أن الإطارين الزمنيين الاقتصادي والنووي ليسا متطابقين . صحيح أن اقتصاد إيران يمر في ضائقة قاسية، وأن الرغبة في تخفيف الضغط هي الدافع وراء استعداد النظام الظاهري للتفاوض بجدية أكبر، ولكن على الرغم من الضائقة الحالية، إيران لا تواجه خطر انهيار اقتصادي وشيك، وإيران قد تكون الآن في فترة حالكة، ولكن خامنئي يعتقد على الأرجح أن إيران مرت في ظروف اسوأ خلال الحرب العراقية – الإيرانية . وقد حذر بعض المحللين من أن إيران قد تمتلك “قدرة مفاجئة” حاسمة  “أي القدرة على انتاج مواد انشطارية صالحة لصنع أسلحة نووية بسرعة كبيرة إلى درجة يصعب معها رصدها أو وقفها”، بحدود منتصف العام 2014 . ومع ذلك، حتى إذا مضى الكونغرس الأمريكي قدماً في فرض عقوبات مشددة إضافية، من المستبعد أن ينفجر النظام الإيراني من الداخل قبل أن يبلغ تلك العتبة التقنية، وفي حال انفجاره، قد لا يشكل ذلك فرقاً يذكر، فحتى القادة المسجونين ل”الحركة الخضراء”، (المعارضة)، والعلمانيين الإيرانيين المعارضين للجمهورية الإسلامية، يدعمون برنامج التخصيب داخل البلاد، والطريقة الوحيدة لتفادي حصول إيران على “قدرة مفاجئة” هي التوصل إلى اتفاق بسرعة وهذا يعني قبول برنامج تخصيب إيراني محدود تحت رقابة صارمة .

4- واشنطن لا تزال بعبعاً فعالاً

من المرجح أن خامنئي يعتقد أن انتخاب روحاني واللهجة المعتدلة الجديدة للرئيس الإيراني سيؤمنان مصداقية داخلية ودولية كافية لتلطيف المخاطر التي يمكن أن تنجم عن فشل محتمل للدبلوماسية .

ومن الممكن أن يحاول الكونغرس إرغام طهران على قبول مطالب أمريكية قصوى من خلال تشديد العقوبات، ولكن الآلية المفترضة لضغط يؤثر في الحسابات الإيرانية هو خوف النظام من قلاقل شعبية .

ومع ذلك، إذا فشلت المفاوضات، وشاع تصور بأن سبب الفشل هو إصرار واشنطن على وقف التخصيب كلياً، فإن الرأي العام الإيراني سيلوم على الأرجح الولايات المتحدة وليس النظام والضغط الاقتصادي على النظام قد يزداد نتيجة لفشل المفاوضات، ولكن من الممكن ألا يكون هناك ضغط شعبي قوي من أجل تغيير مسار البرنامج النووي الإيراني .

5- الضغط سيصبح أقل فاعلية إذا كانت الولايات المتحدة هي الطرف المتصلب .

إذا انهارت المفاوضات بسبب عزوف واشنطن عن التوصل إلى اتفاق حول التخصيب بينما روسيا، والصين، وبلدان أوروبية وآسيوية أخرى كثيرة تريد اتفاقا ستزداد أيضاً صعوبة تطبيق العقوبات على إيران، وبمعزل عما إذا كانت تحركات روحاني الدبلوماسية صادقة أم لا، فقد نجح منذ الآن في تغيير التصورات الدولية بشأن إيران، وإذا ما ظهر أن الولايات المتحدة، وليس إيران، هي الطرف اللامنطقي، فسوف يكون من الصعب جداً الحفاظ على التحالف الدولي الذي يفرض حالياً عزلة عن حكومة طهران .

إن وقف برنامج التخصيب الإيراني بصورة دائمة ليس ممكناً بأي حال، وبدلاً من الضغط من أجل تحقيق هدف مستحيل، يتعين على الولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى أن تدفع باتجاه هدف ممكن: اتفاق يحدد سقفاً أعلى للتخصيب الإيراني عند مستوى 5% (يكفي لتشغيل محطات الطاقة النووية المدينة ولكنه يبقى أدنى بكثير من المستوى اللازم لصنع قنبلة) .

ومثل هذا الاتفاق سيتيح لخامنئي وروحاني أن يعلنا أن إيران حصلت على احترام “حقوقها”، ما يوفر لهما مخرجاً من الأزمة النووية الراهنة يحفظ ماء الوجه، وحتى هذا قد يصعب على النظام الإيراني هضمه، ولكنه إذا ما اقترن بتخفيف مهم وملموس للعقوبات، فسوف تتوفر له فرصة نجاح أكبر بكثير من الإصرار على تفكيك كامل للبرنامج النووي الإيراني .

وعلى واشنطن ألا تقبل اتفاقاً سيئاً، ولكن إذا كنا نريد تجنب اسوأ النتائج الممكنة – أي تخصيب غير مقيّد يؤدي في النهاية إلى صنع قنبلة نووية، أو حرب كبرى أخرى في الشرق الأوسط – فعندئذ سيكون التوصل إلى اتفاق جيد، ولو غير مثالي، أفضل من عدم التوصل إلى اتفاق البتة .

الرابط الشبكي : http://www.alkhaleej.ae/portal/c11912e1-e7ec-4f26-a343-a53d54ca86b9.aspx