واقع النظام الدولي: قراءة في الميديا الغربية

ثمة فرق كبير، بين دعوة الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب إلى « إقامة نظام دولي جديد» في أعقاب حرب الخليج الثانية سنة 1992، وبين الحديث عن « إعادة بناء النظام الدولي»!! تلك؛ كانت دعوة تستهدف بالدرجة الأساس تعزيز الهيمنة الأمريكية على العالم، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وإحكام السيطرة على العالم الإسلامي على وجه الخصوص، وفي القلب منه العالم العربي. لكن الأحداث قلبت الدعوة إلى قلق، يتعاظم بسرعة سيبيرية، حتى بتنا نراقب نقاشات وتصريحات ودعوات وأطروحات، تتحدث ليس عن تراجع النفوذ الأمريكي وانحسار الهيمنة والتفكير بفك الارتباط، بل وعن فراغ في القيادة، وتعطل في اشتغال النظام الدولي، وحتى عن لحظة « انهيار النظام الدولي».

يتحدث وزير الخارجية الألماني السابق،  Joschka Fischer، الغارق في مشكلات النظام الدولي، عن مفارقة ظريفة للغاية، وهو يستذكر نشوة الأمريكي الياباني، فرانسيس فوكوياما، عن « الإنسان الأخير ونهاية التاريخ»، ليدلل على أن الرأسمالية انتصرت انتصارا ساحقا، وأن الإنسان وصل إلى قمة التقدم، وأنه لم يعد ثمة بدائل لهذا الإنسان إلا التسليم بالرأسمالية، كأفضل نمط حياة. مفارقة Fischer جاءت في مقالة له بعنوان: « الشرق الأوسط وعودة التاريخ[1] – 1/7/2014» وليس نهايته. فهو « يدور دورته الثانية الآن في منطقة الشرق الأوسط» .. فلنسمح لبعض النص، أن يفضفض عما في متنه، لنرى ما الذي جرى في ربع القرن الماضي. يقول Fischer:

      « حين زعم فرانسيس فوكوياما، قبل أكثر من عقدين من الزمان، أن العالم بلغ نهاية التاريخ، أجبر التاريخ العالم على حبس أنفاسه. فكان صعود الصين، وحروب البلقان، والهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، والحروب في أفغانستان والعراق، والأزمة المالية العالمية في عام 2008، وثورات الربيع العربي، والحرب الأهلية في سوريا، كان كل ذلك مكذباً لرؤية فوكوياما التي صورت له الانتصار الحتمي للديمقراطية الليبرالية. بل وقد يكون بوسعنا أن نقول إن التاريخ أتم دورة كاملة في غضون ربع قرن من الزمان، منذ انهيار الشيوعية في أوروبا عام 1989 وإلى تجدد المواجهة بين روسيا والغرب. ولكن في الشرق الأوسط يعمل التاريخ على أساس يومي وبعواقب جسيمة. ومن الواضح أن الشرق الأوسط القديم، الذي تَشكَّل من بقايا الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، يتهاوى الآن … بل وربما يُعاد رسم حدود العديد من البلدان المجاورة بالقوة. ومن المؤكد أن الكارثة الإنسانية الهائلة بالفعل سوف تتفاقم».

على ضوء هذه الفقرة سنتوقف في هذا القسم عند أبرز القضايا التي تعصف بالنظام الدولي، معتمدين بالدرجة الأساس على المصادر الغربية، عبر العودة إلى أصول المعلومات والتحليلات والآراء التي قدمها كبار الكتاب من السياسيين والعسكريين والأمنيين والأكاديميين والمسؤولين الغربيين والمتخصصين، فضلا عن البيانات الاقتصادية من مصادرها الأصلية المتخصصة، أملا في تقديم أوضح صورة لحقيقة الأزمات التي تضرب النظام الدولي في الصميم. وسنتطرق على التوالي للمحاور التالية:

أولا: الثورات العربية ونقطة اللاعودة

ثانيا: أزمات الرأسمالية العالمية

ثالثا: تآكل النظام الدولي

رابعا: تآكل الدولة العربية

[1] Joschka Fischer: « الشرق الأوسط وعودة التاريخ – 1/7/2014»، موقع « بروجيكت سينديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/gQma

 

تابع الدراسة كاملة: واقع النظام الدولي: قراءة في الميديا الغربية