هل تندلع الحرب الكبرى؟

هل تندلع الحرب الكبرى؟                                                                                                                                                                                                                               

 

 

الأزمات المتأججة في عالم اليوم – سواء المعلن منها أو المستتر- تشي بأننا مقبلون على فترات عصيبة، قد تنذر بوقوع حرب عالمية كبرى فقد عادت سياسة الأحلاف لتحكم السياسة العالمية الراهنة، بعد أن اعتقد العالم أن العولمة ستصهر مختلف الشعوب، وسيظهر مجتمع عالمي جديد لا وجود فيه للحدود والخصوصيات الجغرافية، لكن طبيعة النفس البشرية، وطمعها وحبها للامتلاك والسيطرة تفجر الصراعات بين الدول . فالإنسان حين يختلف مع غيره، تتملكه الرغبة في سحقه والقضاء عليه، وكما قال المفكر باسكال: أي شيء هذا الإنسان الذي يجمع بين الحكمة وبالوعة الضلال؟ كيف يكون قديساً . . ووحشاً؟ عندما يمتلك صنم القوة، وتتصاعد لديه وتيرة الكراهية القائمة على إلغاء الآخر وعدم الاعتراف به، والانكفاء على الذات . هذا المرض يتخلل كل مستويات العلاقات الإنسانية بين الدول، وهو باهظ التكاليف، صعب العلاج . فنزعات الاستعلاء، وحب الامتلاك قد بلغتا شأواً بعيداً عند بعض دول الشمال الغنية التي تحوز أكثر من 70 في المئة من ثروات العالم، حيث يُنفق على الكلاب والقطط سنوياً ما يكفي لإشباع الجياع في كل بقاع إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية . وهذه الشعوب التي تنعم بهذا الثراء العريض، لم تسع يوماً لتخفيف معاناة شعوب الجنوب المنكوبة والمحرومة من أبسط حقوق الحياة المعيشية .

إن العالم اليوم يئن تحت تلك المتناقضات، ويبحث عن مخرج من خلال تلك المنظمات الدولية التي أوجدتها دول الشمال، لكن من دون جدوى، وقد ترجمت تلك الخلافات على شكل أحلاف عالمية؛ فالعالم المُترَف قد أسّس لنفسه – منذ بدء الحرب الباردة – حلفاً عسكرياً هو حلف شمال الأطلسي، وقد تم تطوير آليات عمل هذه المنظمة، وتم توسيع نطاق عملياتها، لتشمل العديد من دول العالم . فالتدخل المُغلف بنوازع إنسانية أبرزها نشر الديمقراطية في هذه الدولة أو تلك، أصبح من مهام الحلف الأطلسي، وذلك بما لديه من أسلحة، ونظم حرب متطورة . وفي المقابل، فقد نهض المارد الصيني متحالفاً مع وريث الاتحاد السوفييتي – روسيا – وشكلت الدولتان معاً حلفاً استراتيجياً غير معلن لمواجهة الهيمنة الأمريكية – الأوروبية على العالم، مشابهاً إلى حد بعيد لمحور برلين – روما، الذي أسسه الزعيمان هتلر وموسوليني عام ،1936 أي قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية بثلاث سنوات لمواجهة الحلفاء – بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة – وقد اتحدت السياسات الروسية والصينية بشكل لافت للنظر، وخاصة تجاه القضايا موضع الاتفاق بين الدولتين،  فقد عملت روسيا والصين على عرقلة حلف الأطلسي، ومؤسسات المجتمع الدولي التي تسير في ركاب الحلف، وها هما تتوحدان في الأزمة السورية . إن التاريخ يُعيد نفسه من جديد ولكن بملامح القرن الحادي والعشرين، فكما شكل حلفا شمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وحلف وارسو بزعامة الاتحاد السوفيتي قطبي الهيمنة على العالم، منذ خمسينات القرن الماضي، عاد القطبان نفسهما للتصارع من جديد على قيادة العالم، ولكن من دون الصراع الفكري بين الشيوعية والرأسمالية من ناحية، والصراع على بسط النفوذ الجغرافي من جهة أخرى . إضافة إلى ظهور مجموعة “بريكس” بقيادة روسيا والصين بديلاً عن حلف وارسو . ورغم هذا الوجه الحديث للصراع إلا أن الأحداث بدأت في التصاعد منذ الحرب على العراق، وأفغانستان، ومناقشة ملف إيران النووي، وبلغت ذروة التأزم في الأزمة التي نشبت بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، حين وجهت كوريا الشمالية صواريخها العابرة للقارات لمدن أمريكية كبرى، مما كاد أن يُشعل حرباً عالمية ثالثة، لولا تدخل الصين وروسيا لتهدئة الأمور .

ومن هنا إذا كان القطبان الروسي والأمريكي قد تمكنا من الإبقاء على الحرب بينهما في مستوى الحرب الباردة، وكان ذلك في الدرجة الأولى يعود إلى السياسات التي اتبعتها روسيا وريثة الاتحاد السوفييتي بعد تفككه وضعفه ما أدى إلى عدم التوتر، أو جر العالم إلى مواجهة نووية كبرى، لكن السياسات التي تتبعها الولايات المتحدة اليوم، وخاصة ضد روسيا ستجر العالم إلى مواجهة نووية مقبلة . فالعمل على نشر درع صاروخي، ورادار متطور على الأراضي التركية القريبة من روسيا، كل ذلك قد يدفع باتجاه تأزم الأمور بين الدولتين، إلا إذا عادت الولايات المتحدة عن سياساتها، واعترفت بوجود روسيا كقوة عظمى، وامتنعت عن دعم اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية ضد مصالح الصين، وقبلت بتغيير بنية المجتمع الدولي لمصلحة إشراك دول “بريكس” في صياغة السياسات الدولية . فإذا قبلت الولايات المتحدة بذلك، فإن العالم ربما سيتجه نحو الاستقرار، وإلا فإن المشاكل سوف تتفاقم أكثر، وأكثر في عالم تراجعت فيه لغة العقل، وأضحت فيه لغة الحرب أعلى صوتاً من لغة السلام . والأدهى هو تطور أساليب القتال من قنابل ذكية وعنقودية وحارقة وكيماوية وجرثومية وأشدها النووية وتقنيات تعبر القارات . فحرب اليوم هي حرب قارات وتقنيات، وقد لا نجد نهايات لها، لذلك لا نتجاوز الواقع حين نقول إن العالم ربما يتجه نحو حرب كونية لا محالة، وسوف تبدي الأيام ما لم يكن في الحسبان فقد تصدق هذه الرؤيا وقد تخيب .

الرابط الشبكي:   http://www.alkhaleej.ae/portal/fa354f3e-684d-49d3-9dee-cf5d932cd758.aspx