هل تصبح إيران عصا أميركا الجديدة في المنطقة؟

هل تصبح إيران عصا أميركا الجديدة في المنطقة؟

 

 

 

 

 

 

فشل المشروع الأخواني في مصر والمنطقة يدفع واشنطن إلى البحث عن ‘حليف’ قديم سبق أن رتبت معه شؤونها في العراق ولبنان والخليج: إيران.  بعد توافق رؤية الرئيسين الأميركي باراك أوباما والإيراني حسن روحاني بشأن الملف السوري تحديدا في خطابهما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها 68، كانت محاولات للقاء رفضت من الجانب الإيراني، ليتم الاكتفاء بتلقي محادثة هاتفية قام بها الرئيس الأميركي الذي يبدو أنه سعد بها أيما سعادة، حيث قام في اليوم التالي مباشرة بإهداء الرئيس الإيراني قطعة أثرية يبلغ عمرها 2700 عام كانت قد دخلت بطريقة غير قانونية إلى أميركا، وتم التحفظ عليها، وكذا لقاء وزيري خارجية البلدين الذي جرت فيه تفاهمات كثيرة أبرزها حول البرنامج النووي الإيراني.

انشغلت تحليلات المحللين السياسيين بتأثيرات ما يمكن أن نطلق عليه بداية لتقارب أميركي إيراني في حدود الملف النووي الإيراني والقضية السورية والقضية الفلسطينية وأمن وسلامة الدولة الإسرائيلية، دون أن تبتعد كثيرا لتصل بنا إلى ما تستهدفه أميركا من هذا التقارب، أو أن تطرح تساؤلات مهمة على أسبابه في هذه المرحلة تحديدا التي ينكسر فيها مشروع الشرق الأوسط الكبير ومخطط التقسيم الأميركي الإسرائيلي للمنطقة، أو ماهية النتائج التي يمكن أن تترتب بناء عليه ومدى تأثيرها على قضايا جوهرية بين إيران والعديد من دول المنطقة.

من أسباب هذا التقارب أولا أنه يأتي بعد فشل كل من قطر وتركيا وأطراف أخرى في حل القضية السورية وتكشّف أن كل الحلول التي تمت المحاولة فيها كانت مزيدا من التأزم والتعقد والتمزيق، كما يأتي اعترافا بدعم ومساندة الدولة الإيرانية للنظام السوري وقدرتها على إفشال أي محاولات للإجهاز على نظام بشار الأسد.

ثانيا أن الاستقطاب الأميركي يسير على النهج الأوروبي ـ البريطاني تحديدا ـ التقليدي البائد في الاعتماد على دعم ومساندة تحالفات أنظمة وجماعات دينية متطرفة ومتآمرة تستطيع من خلالها تنفيذ مخططاتها وتحقيق أهدافها، وهو الأمر الذي سعت إليها بريطانيا قبيل الحرب العالمية الثانية وبعدها ونجحت في جانب وفشلت في جانب كان هو الأكبر، فأطاحت بعدد من الأنظمة وخلقت أخرى بديلة وجماعات في العالمين العربي والإسلامي، وما يجري الآن نتيجة طبيعية من أفغانستان والعراق وسوريا وانتهاء بتونس.

ثانيا ما جرى في مصر عقب ثورة 30 يونيو وما كشف عنه من دعم مالي ومعنوي أميركي لجماعة الإخوان المسلمين للوصول إلى الحكم على قاعدة اتفاقيات كان من شأنها اقتطاع جزء من سيناء لحساب حركة حماس، ووقف حماس لعملياتها ضد إسرائيل، وغير ذلك مما أشير إليه ولم تكشف تفاصيل بعد كاملة، ثم ما جرى عقب إسقاط المعزول محمد مرسي من انكار وتحد أميركي للإرادة الشعبية المصرية والتهديد بقطع المعونة تارة وعدم الاعتراف بالثورة تارة والضغط عبر الوسيط الأوروبي للإفراج عن القيادات الإخوانية تارة أخرى، وهو الأمر الذي خلص إلى تصاعد حدة الكراهية والرفض لأميركا في مصر بشكل غير مسبوق، وقد انعكس ذلك على القرار المصري الذي رفض الاملاءات الأميركية وتجاهلها، والخلاصة تراجع النفوذ الأميركي في مصر وسقوط ما كانت ترمي إليه من تحالف ديني يؤجج المزيد من الصراع الطائفي ويزيد من أوراق نفوذها وقدرتها على إعادة صياغة الخارطة.

ثالثا الالتفاف السعودي الإماراتي تحديدا ـ باعتبارهما الدولتين الأكثر نفوذا عربيا ودوليا ـ حول مصر ودعم ومساندة إرادة شعبها وقياداتها وخارطة طريقها للمستقبل التي أطاحت بالحكم الإخواني، وهو ما يمكن أن تكون رأته أميركا تهاويا لإرادتها ولنفوذها في المنطقة.

رابعا ما يلوح في الأفق من بوادر تقارب روسي خليجي وعراقي ومصري في ظل ازدياد التقارب الروسي الإيراني ورسوخه، وهذا يرفع معدلات المؤشرات السلبية للوجود الأميركي.

هكذا وقبل أن تسقط مرتطمة بالأرض دون رحمة وسط تهليل العديد من الدول والشعوب في مشارق الأرض ومغاربها، كان القرار الأميركي بالتقارب مع إيران، وهنا نتساءل: إلى هذه الدرجة يمكن أن تنقذ إيران نفوذ أميركا في المنطقة العربية وأن تكون عصاها المهددة والمتوعدة على دولها؟ نعم إذا امتطت أميركا إيران ـ وما أسهل أن تمتطيها لوقت معلوم عبر ألاعيب تجيد صنعها ومنها ما هو قائم بالفعل ـ يمكنها أن توظف العبث الإيراني بأمن المنطقة عامة والخليج خاصة لتنفيذ مخططها بإعادة رسمة خارطة المنطقة بطريقة تكفل لها استدامة السيطرة على مقدراتها وثرواتها، فتدعم عمليات إيران في البحرين والسعودية واليمن والعراق والكويت وتواصل تجاهلها احتلال الجزر الإماراتية وتفتح المزيد من البؤر الطائفية السنية الشيعية القابلة للاشتعال، وباسم حقوق الانسان والديمقراطية وما شابه ما أسهل التدخل في الشئون الداخلية والاعتراف بهذه الدويلة أو تلك.

إن هذا التقارب يؤشر إلى زلزال يهدد خارطة المنطقة العربية، خاصة في ظل خروج العراق وسوريا ومصر كتوازن استراتيجي كان يقيد المخططات الإسرائيلية والأميركية والإيرانية الرامية إلى تفتيت المنطقة، حيث سقط النظام الإخواني في مصر ودخول إيران إلى العراق وسوريا بتحالفات داخل نظاميهما وعصابات فاعلة على الأرض، فالأمر أبعد من مجرد ملف نووي أو قضية سورية أو فلسطينية ولا حتى إسرائيل إذا احتدم الأمر، الأمر يرتبط بقوة دولية عظمى مهددة بفقد نفوذها وسيطرتها، وبمخطط لابد أن تنفذه حتى تبقى على هذا النفوذ حيا وقادرا على حماية مصالحها وأهدافها في المنطقة، فإن لم تنفذه نفذه غيرها ـ أقصد إيران – وأطاح بها وبحليفتها الاستراتيجية إسرائيل، أليس تقسيم كل من العراق وسوريا والسعودية ولبنان والبحرين مثلا إلى دويلات دينية شيعية وسنية متقاتلة أمراً يخدم النفوذ الأميركي كما يخدم النفوذ الإيراني وييسر عليه الاستحواذ على المزيد من السيطرة على المنطقة ومقدراتها.

إذن ثمة مصالح مشتركة وراء هذا التقارب الأميركي والإيراني يدخل فيها “سيب وأنا أسيب”، و”هات وخد”، يحمي أحدهما فيه ظهر الآخر ويعول عليه في دعم المخطط والهدف، يستهدف ضرب التحالف الروسي الإيراني، وأي تحالفات يمكن أن تقدم عليها روسيا أو دول المنطقة مثل السعودية ومصر والإمارات، واستمرار المنطقة في دائرة الصراعات الطائفية، وتمرير مخطط يضمن استمرار نفوذ الطرفين كل حسب ثقل تحالفاته الدولية وقدرته على النفاذ إلى مراكز صنع القرار في مجلس الأمن، مما يعني أن يكون الطرف الأضعف عصا حليفة لدى الطرف الأقوى، دون أن يمنع ذلك منح الطرف الأضعف ما يؤكد به نفوذه.

ومما يؤسف له أن العرب نتيجة عدم امتلاكهم لثوابت وقيم ومفاهيم سياسية أو رؤية استراتيجية توافقية واضحة ومتزنة تحمي مصالحهم ومصالح شعوبهم، انساقوا وتورطوا خلال ما يزيد على نصف قرن في دعم ومساندة والدفاع عن المصالح والأهداف والمخططات الأميركية في الشرق الأوسط، وذلك دون أن يحصلوا على أية مكتسبات لهم أو يحموا مصالحهم؟ أو يستفيدوا من الدرس الأفغاني أولا ثم الدرس العراقي ثانيا، بل نزفوا الكثير من مصداقيتهم وثروات ومقدرات بلدانهم، ولم يحسبوا حسابا ليوم يتحول فيه الحليف الأميركي بمصالحه وأهداف إلى سمسار أو تاجر بشر وأديان وأراضي ويقدمهم كأوراق ضغط يساوم بها على مائدة اللئام من هنا أو هناك.

اليوم ووفقا لهذا التقارب الذي لن يأمن فيه العرب المساومة عليهم وعلى دولهم وشعوبهم، ينبغي عليهم أن يحرقوا أجندتهم السياسية القديمة التى أكل عليها الدهر وشرب، ويبدءوا في كتابة أجندة جديدة وتوازنات أخرى تعمل على أولا الحفاظ على ما تبقى من رصيد لهم كأنظمة ودول بعيدة عن التقسيم والعبث، ثانيا حماية ما تبقى أيضا من استقلالية إراداتهم وإرادات شعوبهم، ثالثا تفعيل دور جامعة الدول العربية لحل المشكلات والأزمات بين أعضائها بنفسها وما يتوافق مع مصالحها، رابعا أن تسعى جامعة الدول العربية إلى أن تحتل مقعدا دائما بمجلس الأمن يكفل لها قدرا من الكرامة والتوازن فيما يتعلق بشئون الأمن الإقليمي او الدولي.

إن الأمر جد خطير سواء اكتمل هذا التقارب أو لم يكتمل، ويكفي أنه يكشف حقيقة لا أظنها كانت غائبة من قبل وليست بغائبة الآن، أن المصالح يمكن أن تقلب كافة الموازين، يمكن أن تحول الحليف إلى عدو والعدو إلى حليف، لذا وجب على العرب التنبه والحذر وأخذ كافة الاحتياطيات التي تكفل عدم تعرض ما بقي من دول كبرى في المنطقة إلى السقوط والانهيار.

الرابط الشبكي : http://www.middle-east-online.com/?id=163533