مواقف وأراء

أوراق إيرانية

الحلقة الثامنة: الإرهاب المقدَّس

بقلم * أ. د. عبدالستار الراوي

بصرف النظر عما قيل ويقال عن مدى صحة محاولة اغتيال سفير السعودية بواشنطن في اكتوبر 2011 ، فإنها لن تشكل إلا رقما آخر على لوحة العمل الارهابي المفتوحة على كل الاحتمالات القائمة . والارهاب في العقل السياسي الإيراني الحاكم نهج ثابت اعتمدته ولاية الفقيه الايرانية منذ قيام تجربتها الدينية في فبراير 1979 .

مقاربة تاريخية:

الإرهاب الرجعي المسلح تحت العباءة الدينية واحد من أبرز احتجاجات الثيوقراطية الإيرانية على العصر والتاريخ والعقلانية، وهو أيضا التعبير العملي لـ”خرافة الوصاية المتوهمة” التي تضخم بها وجدان المرشد الاعلى، حتى أصبحت لدى الخميني وخامنئي من بعده عقيدة راسخة ويقين مؤكد ، فيما تبرهن العقيدة ذاتها على عجز السلطة الثيوقراطية في إقامة علاقة سوية مع دول الجوار الجغرافي ومع الشعوب والأمم الأخرى، ولم يعد بوسع ولاية الفقيه إزاء أوهامها الذاتية وانكفائها على فكرياتها الأحادية، إلا أن تجبر “الآخرين” بقوة السلاح على اعتناق أيديولوجيتها، وتبني مفاهيمها السياسية، امتدادا لتقاليد لاهوتية غارقة في الظلاميات الإرهابية فاصطنعت من العقائد الدينية سلاحًا إرهابيًّا لتصفية خصومها.

فالشاه إسماعيل الصفوي (1487م – 1524م) مؤسس الدولة الصفوية في إيران كان يعتقد اعتقادا جازما أن الله اصطفاه من بين العالمين من أجل سعادة المسلمين، وكان التعبير العملي لجلب هذه السعادة هو اجتثاث رؤوس المعارضين والإطاحة بأعناق الخصوم، وكان يعتقد أيضًا بأن هاتفًا غيبيًّا يدفعه ويرشده، وأنه لا يتحرك إلا بمقتضى أوامر الائمة الإثنا عشر، وأنه معصوم وليس بينه وبين الامام المهدي أي فاصلة ، وعندما فتح تبريز قال: (أنا مكلف بذلك، وإن الله والأئمة المعصومين معي وإني لا أخاف أحدًا، فإذا وجدت من الناس كلمة اعتراض شهرت سيفي بعون الله فيهم فلا أبقي أحدًا منهم حيًّا).

إن فلسفة الارهاب وقدسية العنف التي يتميز بها نظام رجال الدين حكام إيران تستمد جذورها التاريخية من الحقبة الصفوية، حيث نجد أَوْجُهًا كثيرة الشبه بين المذهب الصفوي ونظام ولاية الفقيه الحاكم، وإن المقاربة بينهما تتمثل في وقائع عديدة من بينها:

1- اعتماد العنف كوسيلة أساسية في ملاحقة الخصوم.

2- اتباع فكرة الموالاة والبراءة.

3-النزعة التوسعية عبر الاحتلال والضم القسري.

4- الاعتقاد بالغيبيات والعمل على ترويجها.

5- اعتماد اللغة الفارسية وسيلة وحيدة للتخاطب في البلاد وفرضها بالقوة القسرية على القوميات والجماعات الإثنية واعتبارها اللغة البديلة للغات الأخرى في عموم إيران.

تشكل المرتكزات الخمس حجر الزاوية لنظام الولي الفقيه، فالشاه إسماعيل الصفوي عندما حاول نشر الدعوة لأول مرة في تبريز عاصمة إقليم أذربيجان دعا وجهاء أهلها إلى الاجتماع في إحدى ساحتها العامة وطلب منهم سب الخلفاء الراشدين الثلاثة، وعندما رفضوا ذلك فإنه قام بقتل ما يقارب أربعة آلاف مواطن، وهذا السلوك الدموي نجد مثيله لدى قادة الثورة الإيرانية بإقدام النظام على تقتيل الخصوم وإعدام المعارضين، وكان أول رصيد دموي له يتمثل في سلسلة المجازر البشعة التي ارتكبت بحق الشعب العربي الأحوازي في أوائل 1980، وكذلك المجازر التي ارتكبت بحق الشعب التركماني والأكراد وسائر القوميات الإيرانية الأخرى، دون رادع من ضمير. حيث نجد تجليات هذا العنف في تصريحات آية الله صادق خلخالي الذي خاطب بها الشعب العربي الأحوازي الذي كان يطالب بحقوقه القومية إبان انتصار الثورة 1979، قائلا: (سنملأ شط العرب بالدماء ولن نسمح بذلك أبدًا)، كما ذكر في مذكراته التي نشرتها جريدة همشهري في عددها العاشر لعام 2001 قائلا: (لقد قتلت الكثير من الشعب الكردي والعربي وبقايا النظام الملكي، ولكنني لست نادمًا ولا يعذبني ضميري). !!

ويقول الجنرال أحمد مدني الذي عينه الخميني حاكما على الاحواز: (إن العرب يثيرون الشغب، وسأشرب من دمائهم إذا استمروا في الضغط من أجل المطالب). ولم يدخر الجنرال البحري جهدا في قمع الأحوازيين حيث عمد في الثلاثين من مايو عام 1979م إلى ارتكاب مذبحة الأربعاء الاسود في مدينة المحمرة أباد فيها خلال ثلاثة أيام فقط اكثر من خمسمائة رجل وامرأة وطفل أسوة بسلفه الجنرال زاهدي قائد الجيش الايراني الذي ساق اكثر من ألف وخمسمائة شيخ عشيرة ووجيه ورجل دين عربي وأجبرهم على المشي سيرًا على الأقدام في الجبال والطرقات الوعرة وبمسافة تزيد عن 1300 كيلومتر لم يصل منهم سوى العشرات ليموت اغلبهم فيما بعد في سجون رضا خان بهلوي. ، يصف الدكتور عباس الطائي الرحلة الطويلة بـ(قافلة الحب والموت)، ويقول عنها: هذه ملحمة مأساوية ،عاش بعض أبطالها بيننا، فسمعناها من أفواههم وأخذناها عن مذكراتهم. قافلة الحب والموت تجسيد عنيف للقهر والظلم والتعذيب وشاهد حي على وحشية الإنسان .

وعودة إلى التاريخ الذي أفاض في سرد أحداث الملك المتجبر إسماعيل الصفوي، كان أول ما فكر به هو احتلال العراق حيث تسنى له بسط سيطرته على بلاد الرافدين. وتفيد المدونات التاريخية أنه استخدم ضد أهلها والمدن العراقية التي خضعت لاحتلاله الإرهاب الفكري على نحو مذهبي ذميم ، نفس الأسلوب الذي كان قد استخدمه من قبل بحق (الأتراك الآذريين) لقد اتخذ الشاه الصفوي كما يقول الدكتور علي الوردي في كتابه “لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث” من إجبار المواطنين على (سب الخلفاء الثلاثة) كوسيلة لامتحان العراقيين في موالاتهم للمذهب الصفوي.

وفعل المرشد الأعلى السيد الخميني الشيء نفسه عام 1939 في كتابه (كشف الاسرار) فقد كرس فصولا مطولة للنيل من الخلفاء الراشدين ، وإذا كان إسماعيل الصفوي اكتفى بشتم أبي بكر وعمر وعثمان فإن المرشد سعى إلى تكفير الراشدين الثلاثة ، وتكفير من يواليهم وقضى بخروجهم من ملة الإسلام .

ولم يكد يستقر المقام بالخميني بعد عودته إلى إيران عام 1979 حتى ابتدع نظرية تصدير ولايته الاممية ، لم يشأ تصديرها إلى أي من جيرانه المسلمين الآخرين سواء في الباكستان أو أفغانستان أو تركيا، بل اختار البلدان العربية وفي مقدمتها العراق تمامًا كما فعل الشاه إسماعيل الصفوي رافعًا شعار (“كُلُّ يَوْمٍ عاشوراء وكل أرضٍ كربلاء”) و(طريق القدس يمر عبر كربلاء ) ، وكان من نتائج هذه الفكريات التهديدية اندلاع الحرب العراقية الإيرانية العراقية التي راح ضحيتها الملايين من كلا البلدين سبقها ومهد لها الخميني بعدد من العمليات التخريبية والإرهابية في بغداد مع محاولات اغتيال وتصفية جسدية لعدد من العراقيين…

النظام السياسي الإيراني لم يألُ جهدًا من اتباع سياسة مبرمجة ومنظمة لبث الفرقة بين صفوف المسلمين عبر إحياء سنن وعادات من شأنها أن تبث روح العداء بين أتباع المذهب الإسلامية الأخرى، وهو نهج دأب عليه الإعلام الإيراني الرسمي وغير الرسمي تمامًا كما هو الحال في الفكر الصفوي).

(في زمن غيبة الإمام المهدي، تعتبر ولاية الأمر في جمهورية إيران الإسلامية بيد الولي الفقيه) …، ومن مفارقات الجمهورية الإسلامية مفارقة التفسير العرقي للدين فالفرقة الناجية تقتصر حصريا على الشيعة “الآريين” دون غيرهم من الإثنا عشرية، فالفرس هم المؤمنون الذين تفتح جنات النعيم أبوابها لاستقبالهم، ولهم الافضلية في العالم الدنيوي؛ يتمتعون بجميع الحقوق الشرعية والامتيازات الدينية، ولهم أيضا ولاية الامر وسياسة الرعية ، فيما يحرم المسلمون الآخرون من هذه الحقوق؛ إذ يحظر على المذاهب الإسلامية الاخرى التبليغ الفقهي ولا يحق لهم بناء دور للعبادة لأتباعهم خارج مناطق تواجدهم.

وعلى غرار المذهب الصفوي في إتباع العنف يرى المحافظون من أنصار المرشد الأعلى بأن هناك جرائم حسب ادعائهم لا تتطلب الحاجة الرجوع فيها للقاضي ومن حق أي موالٍ بالغ للرشد أن يبت بها وينفذها من غير الحصول على رخصة شرعية، وقد يصل الأمر إلى تنفيذ عقوبة الإعدام.

ثمة هلاوس سمعية وبصرية نلمس أصداءها اليوم في تصريحات الغالبية العظمى من قادة نظام ولاية الفقيه، حيث يعتقد أنصار هذا النظام أن الإمام المهدي يخصهم دون غيرهم للاجتماع به وتلقي أوامره، وتحفل خطابات أحمدي نجاد بهذا الضرب من التهويمات، وقد صرح لأكثر من مرة بأنه يتلقى أوامره من أئمة أهل البيت، وتحديدًا من صاحب الزمان، وأن هالة الإمام المهدي تراءت له وهو يلقي خطابه في هيئة الأمم المتحدة.

كما يشترك الرئيس نجاد مع الشاه إسماعيل في انتهاج العنف الدموي، وهو الأسلوب المفضل لدى نجاد الذي جرت تحت رِئَاسَتَيْهِ الأولى والثانية حملات القتل والإعدامات الجماعية بحق شعب الأحواز، ومواجهة المطالب المشروعة بهذه الأسلوب العنيف لا يعدو أن يكون جزءًا من سياسة أيديولوجية نظام ولاية الفقيه التي تستمد جذورها من الفكر الصفوي.

 

1- الصفحة الإرهابية الأولى: في الشهر الرابع من قيام الثورة الخمينية زرعت ولاية الفقيه أصابع الديناميت في قلب بغداد، وأطلقت الرصاص على أطفال المدارس، وفي مطلع نيسان – أبريل 1980 تسلل إرهابيو حزب الدعوة الايراني إلى حرم الجامعة المستنصرية فأنزلوا الموت في رحابها .. وراح ضحيتها الطالبة فريال .. وفي الوقت نفسه وبذات التاريخ جرت محاولة اغتيال بعض مسؤولي الدولة ، ولم تتوقف ماكنة الموت الايرانية فقد حصدت أرواح مئات العراقيين عبر سلسلة من التفجيرات من بينها ؛( وكالة الانباء العراقية ، سينما النجوم، سينما الخيام) في عام 1981، وقد راح ضحية هذه التفجيرات ما يقارب ثلاثمائة شخص عراقي.

2- القنابل البشرية: منتظرو الشهادة: منظمة عريقة استحدثها الخميني في مايو عام 1980 أطلق عليها في البداية (جند الامام) منظمة ذات طابع سري ترتبط من حيث التمويل والتجهيز والاعداد والمهام بمكتب مرشد الثورة.

تضم المنظمة عناصر من أحزاب ولاية الفقيه في العراق ومنطقة الخليج العربي تم تجنيدها تحت عنوان تعبوي (أعمدة الجنة) و (منتظرو الشهادة) تزج بالمجندين بعد أن تجري عملية غسل أدمغتهم في أحد المعسكرات السرية حيث يتلقون تدريبات خاصة في دورة تحمل اسما رمزيا (القنبلة البشرية) فيجري إعدادهم للقيام بالعمليات التخريبية ذات الطابع الانتحاري ، وقد قام عشرات من هؤلاء تنفيذ عشرات العمليات في عقد الثمانينيات ، وقد استأنفت نشاطها الارهابي عقب الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003.

وقد ألزمت إدارة المعسكر المجندين – قبل الشروع في تنفيذ المهام الدموية- إجراء مراسيم توديع عوائلهم وأصدقائهم، وتحرير وصاياهم.

وباستحداث (القنبلة البشرية) أو “الاقتحام الانتحاري” دشنت ولاية الفقيه ضربا جديدا من الإرهاب الجمعي كانت العملية الأولى؛ الهجوم على مبنى الإذاعة والتلفزيون في منطقة الصالحية عبر شاحنة كبيرة “لوري” واسفر عن مقتل العشرات من الموظفين والمراجعين العراقيين في ثمانينات القرن الماضي.

وبالنسيق مع حزب الله وحزب الدعوة نفذت المخابرات الايرانية بتاريخ (18/12/1981) وبأسلوب القنبلة البشرية عملية تفجير السفارة العراقية في بيروت بواسطة شاحنة مفخخة قادها أحد عناصر حزب الدعوة الإيراني ويدعى “أبو مريم”، وتعد واحدة من أكبر جرائم الإبادة الجماعية ، راح ضحيتها عشرات من المواطنين العراقيين واللبنانيين ومن ضمنهم زوجة الشاعر “نزار القباني” “بلقيس الراوي” والتي انشد فيها الكثير من القصائد، ليس لأن بلقيس زوجته، بل لأنها كانت إحدى “المناضلات” أيام الثورة الفلسطينية؛ لذلك فقد أقيم لها تشييع رسمي حضره ياسر عرفات بنفسه وجرى دفنها في مقبرة الشهداء.

وتوالت القنابل البشرية الإيرانية الصنع في عمليات خطف وتفجير طائرتين عراقية وأخرى كويتية.

3- سفينة انتحارية: أوردت وكالة “فارس” الإيرانيّة نبأ يفيد منع السلطات الإيرانية مركبين من التوجه إلى البحرين تضامنا مع حركة ما يسمى بـ(ثورة 14 فبراير) وقدتم إيقاف المركبين قبل أن يشرعا في الإبحار من ميناء داير في محافظة بوشهر على الخليج. وأكد مهدي أكراريان أحد منظمي الرحلة إلى “وكالة فارس”(AFP) أنه لا يوجد أشخاص مسلحون في المركبين، مشيرا إلى أن الناشطين يسعون الى تقديم دعم معنوي من الشعب الإيراني في شكل خمسة آلاف رسالة للتعبير عن التضامن مع الانتفاضة التي قمعتها بشدة سلطات البحرين. فيما نشر التلفزيون الايراني تحقيقا مصورا عن المتطوعين الذين القوا رسائلهم في البحر وقفلوا راجعين. وكانت عناصر من قوات الباسيج التابعة للحرس الثوري الإيراني قد أعلنت عن تسيير رحلة بحرية إيرانية إلى مملكة البحرين للدفاع عن شعبها، حسب زعمها وعلى لسان مهدي أكراريان أحد قياديي الباسيج المحافظ، حيث خاطب أنصاره الذي ادعى: “أمرنا الإمام الخميني بالدفاع عن الشعوب المظلومة في العالم، لذا سنذهب لنصرة البحرين بحراً مهما كلف الثمن”.!!

كما أعلن لأنصاره عن تسيير رحلة بحرية إيرانية إلى مملكة البحرين قائلاً: “لن نخشى أي شيء في حركتنا هذه التي تعد واجباً إنسانياً، وسوف نوصل رسالة الشعب الإيراني إلى الشعب البحريني”.

وقال أقراريان إن المنفذ الأساسي لإيفاد القافلة البحرية إلى البحرين لن ينتظر موافقة من أحد، لأن تسيير القافلة واجب ديني وإنساني، وإنه مستعد للموت إذا تم اعتراض القافلة من قبل الجيش البحريني.

http://www.lebanese-forces.com/web/M…?newsid=143221

4- وبتاريخ(131985) قام حزب الدعوة وبإشراف مسؤول المخابرات الايرانية في الكويت بعملية اغتيال “هادي عواد سعيد” مساعد الملحق الثقافي في السفارة العراقية في الكويت حيث قام اربعة عناصر من حزب الدعوة بقتله هو وولده في منزلهما،

5- فيما كلفت إيران حزب (الدعوة) بإفشال مؤتمر القمة الاسلامية في الكويت بوصفه مؤتمرا معاديا لمصالحها ، وقد قام المرتزقة بتاريخ (2211986) بتفجير سيارة مفخخة خلف فندق المريديان في الكويت ، والفندق كان يقطنه مجموعة من الاعلاميين والصحفيين من المعنيين بتغطية اعمال المؤتمر.

6- مجزرة ميكونوس (1992): أدانت محكمة ميكونوس الالمانية كاظم دارابي بالسجن المؤيد، لاتهامه بالمشاركة في اغتيال زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني وثلاثة من رفاقه في مطعم ميكونوس عام 1992. ويشير الدكتور نوري زادة إلى وجود صفقة بين برلين وطهران بشأن الإفراج عن كاظم دارابي المتهم الرئيسي في القضية التي تعرف باسم «مجزرة ميكونوس»، في اشارة الى مطعم شرقي في برلين، حيث اغتيل زعيم الحزب الديمقراطي الكردي الايراني الدكتور صادق شرفكندي وثلاثة من معارضي النظام الايراني، اثنان منهم من مساعدي شرفكندي في ليلة 17 سبتمبر (أيلول) 1992 على ايدي خلية تصفية تابعة للاستخبارات الايرانية التي كان يقودها كاظم دارابي، فيما تسربت أخبار تفيد بأن الإفراج عن دارابي المحكوم بالحبس المؤبد قد يتم في اطار اتفاق سري جدا على غرار الصفقات السابقة بين ايران والمانيا والتي مهدت لإفراج اسرائيل عن سجناء حزب الله مقابل رفات الجنود الإسرائيليين حسب الظاهر.

تجدر الإشارة إلى أن ألمانيا سبق أن افرجت عن مواطنين لبنانيين من عناصر حزب الله عباس رايل ويوسف أمين اللذين اطلقا النار على شرفكندي ورفاقه بمطعم ميكونوس لتسهيل عملية تبادل الاسرى ورفات الجنود بين اسرائيل وحزب الله كما جرى الافراج عن المتهم الثالث محمد عتريس ايضا بلا ضجيج. وفي اطار صفقة اخرى، افرجت السلطات الايرانية، بموجبها عن سجين الماني لفقت الاستخبارات الايرانية ملفا مثيرا ضده.

ومن المعروف أن المانيا ومنذ اواخر الثمانينات من القرن الماضي لعبت دورا رئيسيا في صفقات تبادل الاسرى والمخطوفين في لبنان بسبب علاقاتها الوثيقة مع ايران من جهة ونفوذها لدى اسرائيل من جهة اخرى. وبالنسبة لقضية ميكونوس فقد ظلت انعكاساتها عائقا حيال عودة العلاقات الإيرانية الالمانية الى سابقها، ولولا انتخاب محمد خاتمي الذي تمكن بدبلوماسيته الهادئة من فتح صفحة جديدة في علاقات ايران مع الاتحاد الاوروبي بشكل عام والمانيا وفرنسا وإيطاليا بوجه خاص، لكان قرار سحب السفراء الاوروبيين من ايران عقب ادانة اربعة من كبار المسؤولين الايرانيين في محكمة برلين الجنائية بتهمة الضلوع في مخطط اغتيال المعارضين بمن فيهم شرفكندي ورفاقه في الخارج، لا يزال ساريا.

والمعروف أيضا؛ ان وزير الاستخبارات السابق علي فلاحيان كان قد سافر الى المانيا بعد مجزرة ميكونوس لإجراء مباحثات مع «اشميت باوئر» مسؤول استخبارات المستشارية الالمانية آنذاك وبهدف اقناع الحكومة الالمانية بالإفراج عن دارابي والقتلة اللبنانيين الثلاثة واغلاق ملف ميكونوس مقابل حصول المانيا على خمس صفقات اقتصادية ضخمة قيمتها أكثر من12 مليار دولار، وبينما ابدت الحكومة الالمانية مرونة غير عادية حيال فلاحيان، غير ان ظهور مسؤول كبير في الاستخبارات الإيرانية الذي استدعاه المدعي العام الألماني إلى محكمة برلين وأطلق عليه اسم «الشاهد C» أدى إلى فشل محاولات فلاحيان وبعض المسؤولين الألمان، قد تجاوز عقبة ميكونوس في العلاقات بين البلدين. والشاهد Cتحدث في المحكمة بالتفصيل عن خفايا اغتيال شرفكندي ورفاقه والشخصيات المعارضة البارزة مثل الدكتور شابور بختيار زعيم حركة المقاومة الوطنية ورئيس وزراء ايران الأسبق ومساعده سروش كتيبة والدكتور عبد الرحمن قاسملو الزعيم التاريخي للأكراد و… كما كشف عن دور وزير الاستخبارات في تشكيل خلايا تصفية من عناصر إيرانية ولبنانية في الخارج.

وتصريحات الشاهد والوثائق التي قدمها إلى المحكمة قد مهدت لإدانة دارابي وشركائه بحيث أصدرت محكمة برلين حكماً بالحبس المؤبد لكل من دارابي وعباس رايل و11 عاماً ليوسف أمين وخمس سنوات لمحمد عتريس.

أطلقت السلطات القضائية الالمانية سراح داربي في ديسمبر (كانون الأول) 2007، بعد ان بعد أن قضى 15 عاما في السجن.

7- لائحات القتل الخمس في العراق: لا نهاية لما قد يقال عن خط الدم الذي شقته مليشيات جيش القدس وما ارتكبه الحرس الثوري من جرائم في عموم جهات العراق، منذ يوم التاسع من ابريل عام 2003 وحتى هذا اليوم ، ففي الأيام الأولى من الاحتلال الامريكي البغيض كان العميل احمد الجلبي حامل وسام الحذاء البيروتي، قد شرع بالتعاون مع فيلق القدس بتعقب و قتل الوطنيين العراقيين بموجب لائحـات القتل الأربع: وهي قوائم الموت التي أعدتها أحزاب ومليشيات ولاية الفقيه تحت إشراف ( جهاز المخابرات الايرانية ) وتضم هذه القوائم القيادات السياسية والعسكرية والكوادر العلمية والفنية من ذوي الكفاءات والاختصاصات الدقيقة في حقول المعرفة النظرية والتطبيقية.

اللائحة الأولى: أصدر المجلس الإسلامي -الذراع السياسي الإيراني الصنع- المعني بتصدير الثورة إلى العراق والذي أنشأته طهران عقب نشوب الحرب العراقية الإيرانية، أصدر في صيف 2001 قرارا يقضي بقتل حوالي (11) أحد عشر ألف مواطن عراقي، طبقا لقائمة الأسماء المرفقة بهذا القرار بوصفهم مسؤولين في النظام السياسي السابق، وقد جرى تنفيذ القرار منذ اليوم الأول للاحتلال الأمريكي، وكان الدكتور وجيه محجوب والفنان داوود القيسي والدكتور محمد الراوي من أوائل الشهداء.

وتوالت عمليات القتل ومسلسل الاغتيالات، والملاحقة، وسقط مئات الشهداء من العلماء، والمفكرين، وأساتذة الجامعات، والخبراء، والأطباء. وقد تم تصنيف الضحايا حسب الشرائح التالية: ( ضباط القوات المسلحة. ضباط ومنتسبو الأجهزة الأمنية المخابرات، والأمن العام، والأمن الخاص، والاستخبارات العسكرية، وفدائيو صدام. مديرو ومعاونو المدارس الثانوية والمتوسطة والابتدائية. المبدعون: الكتاب والأدباء والشعراء والفنانون. العاملون والقياديون في حقل الرياضة والألعاب الأولمبية. القادة الإداريون، والملاكات المتقدمة في الدولة الوطنية.

اللائحة الثانية: أعدها حزب الدعوة وبإشراف وتمويل (جهاز اطلاعات) ضمت اللائحة أسماء قيادات الحزب والدولة وضباط الجيش والأمن والمخابرات وفدائيي صدام.

 

اللائحة الثالثة: جري انتقاء أسماءها تحت رعاية قائد فيلق القدس سليماني وبمشاركة خلية عمل ضمت بيان جبر صولاغ وهادي العامري، وأحمد الجلبي، وجلال الصغير، وعهد بتنفيذها إلى مغاوير الداخلية والمليشيات الحزبية وفرق القتل الأخرى، وتصدرت اللائحة شرائح الشعب التالية: (العلماء، والأطباء الاختصاصيون، والخبراء. أعضاء في حزب البعث العربي الاشتراكي، التنظيمات القومية والناصرية، العلماء والخبراء والمستشارون في العلوم الصرفة والتطبيقية. المبدعون: الشعراء، والأدباء، والكتاب، والفنانون التشكيليون. الأطباء الاختصاصيون. المفكرون والأساتذة الأكاديميون والباحثون في مراكز التعليم العالي. الملاكات العليا والوسيطة في سلم الدولة الوظيفي. القادة والآمرون في قطاعات الجيش والقوة الجوية. اللجنة الأولمبية، وقادة الرياضة، والفنيون. آمرو ومنتسبو فدائيي صدام. آمرو وملاكات جيش القدس. منتسبو الأجهزة الأمنية: المخابرات، والأمن العام، والاستخبارات العسكرية والأمن الخاص والأمن العسكري ، الملاكات الإعلامية: العاملون والفنيون في وسائل الاتصال: المقروءة والمسموعة والمرئية. العاملون في قطاعات السينما والموسيقى والغناء.

اللائحة الرابعة: يطلق عليها قائمة (علماء صدام)، وعرفت أيضا بالقائمة (الذهبية) تضم أسماء (750) عالما وأستاذا في الاختصاصات النادرة والدقيقة التي تقع في دائرتي العلوم التطبيقية، والعلوم الصرفة. وشارك في تنفيذ عمليات إعدام واغتيال ما يزيد على مائتي عالم من هذه القائمة مليشيات جيش المهدي ومنظمة بدر، لحساب أطراف دولية وإقليمية عديدة.

اللائحة الخامسة: تصفية طياري القوة الجوية العراقية : أظهرت وثائق دبلوماسية نشرها موقع ويكيليكس الإلكتروني أن إيران شنت حملة منظمة لاغتيال الطيارين العراقيين الذين شاركوا في قصف أهداف إيرانية خلال الحرب بين البلدين، وتمكنت من قتل 182 منهم. ونقل موقع محطة (ABC) على الإنترنت فقرة مختصرة من برقية قال فيها دبلوماسيون أميركيون إن إيران تشن حملة “هادئة وفعالة للثأر من طياري العراق الذين قصفوا أراضيها” خلال الحرب بين البلدين في ثمانينيات القرن الماضي. وتقول البرقية السرية المرسلة يوم 14 ديسمبر/كانون الأول 2010 إن “كثيرا من الطيارين العراقيين الذين نفذوا طلعات أثناء الحرب العراقية الإيرانية، باتوا على قائمة إعدامات أعدتها إيران، وإنها بالفعل اغتالت 180 منهم”. يشار إلى أن عملية تصفية الطيارين العراقيين لم تجلب كثيرا من الاهتمام لوقوعها أثناء الاقتتال الأهلي الذي شهده العراق بعد سنوات من غزوه من طرف الجيش الأميركي عام 2003 وإسقاط نظام الرئيس صدام حسين.

وتقول (ABC) إن (182) طيارا عراقيا قضوا على يد عملاء إيرانيين، وإن حملة الاغتيالات دفعت 800 منهم إلى الفرار خارج البلاد، حسبما تفيد إحصاءات منقولة عن وزارة الدفاع العراقية.

وتضيف المحطة الأميركية أن الحملة على طياري القوة الجوية العراقية بدأت في حي الكرادة بالعاصمة بغداد، وبلغت ذروتها خلال شهر رمضان عام 2005 والذي شهد وحده مقتل 36 طيارا في ذلك الحي وحده.

النص الأصلي للوثيقة باللغة الإنجليزية:

http://www.wikileaks.ch/cable/2009/1…GHDAD3195.html

ملاحظات:

1- وصلت المجاهرة بقوائم الموت إلى حد بثها إعلاميا وشيوع تداولها على مواقع الشبكة العالمية للمعلومات .

2- عندما نستذكر شهداء الشعب الذين سقطوا برصاص بدر وسواها من العصابات المدججة بالأحقاد والضغائن من الصعب على أي مواطن أن يصدق أن أيا من القتلة الذين اغتالوا هذا العالم والأكاديمي والكاتب والفنان والقائمة الطويلة من نجوم الوطن الزاهرة لا يمكن لمثل هذا المجرم الرخيص أن يكون عراقيا، أو ممن عاش على أرض الرافدين.

zangaw41@yahoo.com