قنبلة إيران النووية بين المستودع والرف

للثورة الإيرانية أهداف واستراتيجيات تعمل على إنجازها وفي مقدمتها تصدير ثورة الولي الفقيه، ونشر أفكاره ومبادئه في كل ما يحيط بإيران من مناطق ودول وذلك رغبة في إحياء مجد يتمثل في إعادة رونق الامبراطورية الفارسية إلى الوجود تحت مسمى أو شعارات متعددة. وهي تتبع في ذلك وسائل مختلفة لتحقيق غاية واحدة.
ولعل من أبرز تلك الوسائل التدخل في شؤون الآخرين تمهيداً لإيجاد مرتكزات تعتمد عليها في تحقيق أهدافها، ولعل من أبرز تلك المرتكزات حزب الله في لبنان ونظام الأسد في سورية والحوثيون في اليمن وحكومة المالكي في بغداد وبؤر نشطة وكامنة في دول الخليج ناهيك عن تحالفهم مع تنظيم القاعدة وغيرهم من الجواسيس وبائعي الضمير؛ ولهذا فإن لدى إيران قناعة تامة بأن التفوق العسكري هو الضمانة الأولى لتحقيق الهدف ولهذا قاموا بإنشاء جيش قوي ووطنوا صناعة السلاح بجميع أنواعه ولكي يضمنوا تفوق جيوشهم اتجهوا إلى إنشاء برنامج نووي لضرب عصفورين بحجر واحد الأول استخدام الطاقة النووية بعد توطينها للأغراض السلمية، والثاني هدف عسكري يتمثل في إنتاج قنبلة نووية. ولهذين الغرضين تم إنشاء عدد كبير من المفاعلات النووية تحت أعماق الأرض في مناطق مختلفة من إيران زودت بآلاف من أجهزة الطرد المركزي المتطورة وتمكنوا من تخصيب اليورانيوم بكميات كبيرة بنسبة (٥٪) للاستعمال السلمي، وكميات أقل بنسبة (٢٠٪) وهذه تصلح للاستخدام العسكري.
إن هدف إيران كان ومازال إنتاج القنبلة النووية ولكن نتيجة للمقاطعة الاقتصادية والعقوبات قررت ان تتعامل مع الأمر بطول نفس أي بدلاً من إنتاج القنبلة النووية ووضعها في المستودع تم الاتجاه إلى تأجيل إنتاجها والاستمرار في تطوير قدراتها العلمية والتقنية لتحقيق الهدف نفسه ولكن بعد حين أي وضع القنبلة النووية على الرف وإنتاجها وقت اللزوم خصوصاً أنها بموجب اتفاقها مع الدول الغربية من خلال محادثات (١+٥) قد حصلت على اعتراف رسمي ببرنامجها النووي، وهي بذلك تستطيع الاستمرار في بناء قدراتها العلمية والتقنية في هذا المجال ومن خلال هذا الاعتراف ومن خلال زوال العقوبات والمقاطعة سوف تصبح إيران أقوى وأقدر لأنها سوف تملك المال الذي يمثل الدعامة الرئيسية لبرنامجها النووي من ناحية، وزيادة تدخلها في شؤون الآخرين وتسكيت المعارضة الداخلية من ناحية ثانية.
إذاً الحقيقة هي ان الاتفاق الأخير يجب ان لا ينظر إليه على أنه يشكل بادرة انفراج ولهذا يجب ان نكون أكثر حذراً وأكثر تشاؤماً وأكثر حرصاً على خلق توازن عسكري وديموغرافي مع إيران لأن اختلال ميزان القوي بين دول الخليج وإيران وقلة عدد السكان في الخليج ووجود ثروة طائلة فيه من أهم دوافع إيران للتدخل في شؤونه الداخلية؛ فالخليج في نظرهم يشكل لقمة سائغة ولولا القوة النسبية للمملكة والتوازنات والتحالفات الدولية لرأينا أكثر من ذلك ولهذا فإن دول الخليج وفي مقدمتها المملكة مندوبة إلى تحقيق التوازن مع إيران من خلال ثلاث فعاليات متكاملة هي:
* لابد من خلق توازن عسكري مع إيران من حيث العدد والعدة والضبط والربط مع أخذ العمق الاستراتيجي للمملكة بعين الاعتبار على ان يكون التوازن العسكري مدعوماً بتوطين الصناعات الحربية بجميع أنواعها وتفرعاتها خصوصاً ان الصناعات الحربية أصبحت في الوقت الحالي أحد أهم مصادر الدخل لبعض الدول، ومدعومة بتوطين الاستخدام السلمي للطاقة النووية من خلال إنشاء عدد من المفاعلات النووية التي تمكن من تخصيب اليورانيوم وإنتاجه من أجل استخدامه كوقود لتحلية المياه وإنتاج الكهرباء اللذين يعتبران العمود الفقري لأي تنمية مستدامة.
* لابد من خلق توازن ديموغرافي مع إيران أيضاً حيث يبلغ عدد سكان إيران ما يربو على (٧٥) مليون نسمة، وعدد سكان الخليج بالكاد يصل إلى (٣٠) مليون نسمة موزعين على مساحات شاسعة وهذا يجب ان يكون على المدى العاجل والمتوسط والبعيد فالعاجل يتمثل في زيادة الكثافة السكانية في المنطقة الشرقية من خلال إنشاء عدد من المدن الصناعية والاقتصادية والعلمية والترفيهية أسوة بمدينتي الجبيل ورأس الخير، وذلك من أجل فتح فرص عمل دائمة تجذب أكبر عدد من السكان لشغل أكبر مساحة ممكنة من تلك المنطقة الغنية بالبترول والغاز اللذين يسيل لهما لعاب الإيرانيين وغيرهم من الطامعين وهذا الأسلوب يمكن ان يتبع مع مناطق مهمة أخرى من المملكة مثل منطقة حفر الباطن المحاذية للحدود العراقية ومنطقة تبوك والمدينة المنورة لأهميتهما الاستراتيجية.
إن العائق الرئيسي أمام أي جيش من الجيوش لتحقيق النصر الكامل هو الكثافة السكانية فكلما قلت الكثافة السكانية للدولة أو المنطقة المستهدفة زادت الأطماع فيها، وكلما زادت الكثافة السكانية للدولة أو المنطقة المستهدفة أحجم عنها الطامعون ولعل أبرز مثال لذلك تمكن الجيش الإسرائيلي من اجتياح شبه جزيرة سينا بعد هزيمة الجيش المصري في حرب (١٩٦٧م)، واستمرار احتفاله بها لأكثر من (١٥) عاماً لأنها ذات تعداد سكاني منخفض كما لم يتجرأ ذلك الجيش المنتصر على اجتياز قناة السويس في تلك الحرب على الرغم من ان الطريق كانت سالكة أمامه، والسبب علمه بالكثافة السكانية التي تواجهه والتي لا محالة سوف تحول نصره إلى هزيمة، والمثال الثاني أيضاً تمكن الجيش الإسرائيلي من اجتياح جنوب لبنان عام (١٩٨٢م) وعدم تمكن ذلك الجيش من الاستمرار في حصار بيروت بسبب الخسائر التي تكبدها بسبب مقاومة الكثافة السكانية. فالمناطق ذات الكثافة السكانية المنخفضة مغرية للأعداء، والتاريخ مليء بالعبر والأحداث التي تشهد على ذلك إذاً الكثافة السكانية عامل ردع رئيس.
* عقد التحالفات المبنية على المصالح عامل ردع جانبي يجب ان يكون موجودا لكن مع الحذر لأن المصالح تتغير ولذلك فإن صديق اليوم يمكن ان يصبح عدو الغد، وعدو اليوم يمكن ان يصبح صديق الغد «وتلك الأيام نداولها بين الناس» الآية ففي السياسة لا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة..
هي الأمور كما شاهدتها دولٌ
من سرّه زمن ساءته أزمان
* ولكي نحقق التفوق والفوز يجب ان نقبل التحدي وأن نقلب الموازين بحيث نحول صحراءنا شحيحة المياه والمقفرة إلى منطقة صناعية تبهر العالم بنفس الطريقة التي حوّل بها اليابانيون بلادهم الجبلية البركانية قليلة المصادر الاقتصادية إلى دولة تحتل مكان الصدارة في جميع المجالات حيث غزوا العالم بالمصنوعات ذات الجودة العالية على الرغم من انهم يستوردون جميع المواد الخام من الخارج فتحولها تلك الأيدي والعقول إلى منتجات تدر أضعاف أضعاف ثمن موادها الخام..
وفي الحقيقة أنهم ليسوا أميز من غيرهم الا في أسلوب التربية والتنشئة والتعليم والاخلاص ولهذا يجب ان نبحث عن موطن الخلل في ذواتنا تمهيداً لعلاج ذلك الخلل.
نعم ان الصرخة المدوية التي يجب ان نرددها جميعاً هي ان لا نثق بإيران وان لا نثق بمن يحاور إيران، وفي نفس الوقت ندفع بالتي هي أحسن فالأولى تكفينا شر الغفلة، والثانية تثبت حسن النية والمعاملة واحترام الجوار.
والله المستعان.

الرابط الشبكي : http://www.alriyadh.com/