عن الحكومة المغربية التي طال انتظارُها

امحمد مالكي

انشغل المغاربة عدة شهور بموضوع تشكيل الحكومة الائتلافية لما بعد الإعلان عن نتائج اقتراع 07 أكتوبر 2016، الخاص بانتخاب أعضاء مجلس النواب، الذي تصدر نتائجه حزب “العدالة والتنمية”. فبعد مفاوضات استغرقت خمسة أشهر، لم يتمكن “عبد الإله بنكيران”، رئيس الحكومة السابق، والأمين العام لحزب العدالة والتنمية من إخراج الحكومة الائتلافية إلى الوجود، فعز عليه إنجاز مهمة التكليف التي أسندت إليه بأمر ملكي، وتطبيقا للفصل السابع والأربعين من دستور 2011، ليحل محله نائبه “سعد الدين العُثماني”، ويتمكن في ما أخفق فيه سابقه، ويُعلن عن الحكومة التي طال انتظارها يوم الأربعاء 05 أبريل 2017.

تستحق رحلة البحث عن الائتلاف الحكومي التي طالت ستة أشهر إلا يومين أن تكون فيلماً أو مسلسلا على حلقات، ويمكن لهذا العمل الفني أن يحظى بنجاح كبير، لأن فيه من عناصر التشويق، والمباغتة، والغموض، وتبدل الأحوال والأطوار، وتنوع الشخصيات والأسماء، ما يجعل منه فعلا عملا فنيا ناجحا بامتياز. فعلى امتداد شهور هذه الرحلة المشوقة، والمُقرفة في الآن معا، غاب البحث عن الأفكار والنقاش حول البرامج، وساد التلاسن بالكلمات والنعوت والأوصاف، ولأن قنوات انسياب المعلومات حول المفاوضات من أجل تشكيل الحكومة الائتلافية ظلت شبه موصدة، أو على الأقل تتدفق منها المعلومات على قطرات، وأحيانا بصيغ متضاربة، فقد عاش الناس، أو على الأقل الذين ظلوا منشدين إلى ما ستفضي إليه المشاورات الحزبية، سجناء لما تجود به عليهم وسائل التواصل الاجتماعي والفضاء الأزرق عموما، أو ما قد يتسرب من هنا وهناك على ألسنة قادة الأحزاب والمتنفذين في صفوفهم.. إنها رحلة التيه، والدوران في الفراغ، والجري وراء ما قد يروي تعطش الناس وتطلعهم إلى معرفة من سَيسُوس أمورهم ويتولى تدبيرَ شؤونهم.

تميزت الحكومة الجديدة بقيادة حزب العدالة والتنمية في شخص “سعد الدين العثماني” بعدد من العناصر اللافتة للانتباه، والتي قد يكون لها تأثير على نوعية أدائها، وطبيعة حصيلتها. فمن جهة، تشكل ائتلافها من ستة أحزاب تعكس خريطة كل الألوان الإيديولوجية والسياسية في المغرب، من اليمين مرورا بالوسط وحتى اليسار. والحال أن هذا العدد من الأحزاب المتحالفة يعتبر عائقا في حد ذاته، وقد عاش المغرب تجربة شبيهة إلى حد ما بما سيعبشه اليوم مع الحكومة الجديدة، وإن كانت هناك فروقات كثيرة، والمقصود هنا حكومة السيد “عبد الرحمن اليوسفي” ما بين 1998 و2002. فما حصل في الواقع اضطرار رئيس الحكومة المكلف للبحث عن التوافق مهما كانت كلفته، وإن بإرضاء الخواطر على حساب الفعالية والنجاعة، فهكذا اضطرت حكومة اليوسفي إلى ضم أكثر من أربعين عضوا في صفوفها، جاءت الحكومة الجديدة برئاسة “سعد الدين العثماني” متضمنة لتسعة وثلاثين عضوا بين وزير دولة ووزراء ووزراء منتدبين وكتاب دولة، نساء ورجالا. ولأن كل حزب كان يفاوض عن نصيبه من الحقائب الوزارية فقد اضطرت الحكومة، أو على الأقل رئيسها، على توزيع قطاع واحد على ثلاث إلى أربع حقائب (قطاع الماء على سبيل المثال).

ومن جهة أخرى، ضمت الحكومة الجديدة وزراء لا انتماء سياسي لهم، وغير منتسبين لأي لون حزبي أو سياسي معين، وعددهم ثمانية من أصل تسعة وثلاثين، أي ما يقرب من عُشر أعشاء الحكومة.. والأمر لا يقف عند هذا فحسب، بل أسندت إليهم قطاعات استراتيجية من قبيل الخارجية والداخلية والدفاع والأوقاف والشؤون الدينية والأمانة العامة للحكومة. قد يقول قائل وما العيب في هذا طالما أنهم جميعا كفاءات في القطاعات المسندة إليهم، ويمكن استثمارهم في تطوير المشاريع والسياسات الخاصة بمجالاتهم الحكومية؟ الجواب هو أننا بصدد حكومة مسؤولة سياسيا أمام الملك وأمام البرلمان، وأنها نتيجة مباشرة لصناديق الاقتراع بمقتضى ما نص عليه صراحة الفصل السابع والأربعون من الدستور المغربي الجديد (2011).. ومن هنا كيف تتم مساءلتهم وهم غير منتسبين لأي لون أو جزب سياسي؟

من زاوية ثالثة، تميزت الحكومة الجديدة بعنصر لافت آخر، يتناقض في الواقع مع منطق ربط تشكيل الحكومة بنتائج الاقتراع، والحالة هنا انتخاب مجلس النواب المغربي الأخير (07 أكتوبر 2016). فكيف لحزب رتبته نتائج الاقتراع الأخير في الدرجة الرابعة بسبعة وثلاثين مقعدا من أصل 395، هو العدد الإجمالي لأعضاء مجلس النواب، أن يصبح محوريا في التشاور من أجل تشكيل الحكومة الائتلافية، وأن يستحوذ على قطاعاتها الوزارية الوازنة اقتصاديا؟ أما الحزب المعني تحديدا، فهو “التجمع الوطني للأحرار”، المؤسس منذ العام 1977، والذي يمكن وسمه بالحزب الآخذ بـ”الليبرالية” ومنظومة قيمها، والذي يتوفر على طاقات وكفاءات في عالم الاقتصاد والمال والاستثمار ذات أهمية وازنة.

نخلص، من جهة رابعة، إلى أن الإعلان عن الحكومة المغربية التي طال انتظارُها عكس بجلاء صعوبات توطيد البناء الديمقراطي في بلد مركب كالمغرب، واستعصاء الانتقال السلس في ظل ثقافة سياسية لم تُدرك قدرا من الترسخ والنضج، سواء بداخل مؤسسات الدولة، أو على صعيد نسيج المجتمع وتعبيراته العامة. فسيرورة البناء بطبيعتها معقدة ومفتوحة على الصعود والنزول، وقد تعرف كبوة أو انتكاسا.. لكن في كل الأحوال يؤشر التأخر الحاصل في تشكيل حكومة ما بعد اقتراع 07 أكتوبر 2016 على أن المغرب يحتاج إلى خطوات كبيرة وجريئة كي يقطع مع إعاقات إرثه في مجال الدمقرطة وإعادة تشكيل المجال السياسي.