عمليات الجنوب الليبي.. بين التعقيدات القبلية وخسائر المعارضة التشادية

أميرة الشريف

مواصلة لعملية تطهير الجنوب الليبي من الإرهاب، أعلن الجيش الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفترأنه وجه ضربات جوية استهدفت مواقع للمعارضة التشادية في جنوب ليبيا، في اطار عملية اطلقت منتصف الشهر الماضي ضد مجموعات ارهابية ومجرمين.
وكان أطلق الجيش الليبي، في 15 يناير عملية عسكرية لتطهير مناطق الجنوب الغربي للبلاد من إرهابيي تنظيمي داعش والقاعدة، والعصابات الإجرامية، ونجح خلال أسبوعين في السيطرة على مدينة سبها عاصمة إقليم فزان.
وتؤوي ليبيا كثيراً من الفصائل التشادية المتمردة التي تزعم جميعها أنها لا تمارس الارتزاق ولا تتدخل في الشؤون الداخلية لليبيا، لكنها تتهم الرئيس إدريس ديبي باستخدام حلفائه الليبيين لمهاجمة مواقعها.
أكد مصدر عسكري أن الطائرات ضربت تجمعا للمعارضة التشادية وحلفائها في جنوب ليبيا، مشيرا إلي أن المرتزقة التشاديين تكبدوا خسائر فادحة في الرجال والعتاد في منطقة مرزق جنوب ليبيا.
وتتلقي عصابات المعارضة التشادية ضربات من قبل الجيش الليبي في إطار عملية تطهير الجنوب والقصف الفرنسي لمنعها من العودة إلى تشاد.
وقال الجيش الفرنسي في بيان له إن سلاح الجو الفرنسي قصف أهدافا في شمال تشاد الأحد، دعما لقوات من الجيش التشادي تحاول صد قافلة لمقاتلين لم تحدد هويتهم دخلت البلاد قادمة من ليبيا.
وكالة رويترز ترجح أن تكون هذه الضربات الجوية أول دعم رسمي من باريس للرئيس التشادي إدريس ديبي الذي يريد التصدي لحركة “مجلس القيادة العسكري لإنقاذ الجمهورية” المتمردة الجديدة التي تسعى للإطاحة به.
ولم يحدد البيان من يقف وراء هذا التوغل لكن هذه هي المرة الأولى التي تضرب فيها قوات فرنسية أهدافا دعما لقوات الجيش التشادي منذ أن صعدت حركة التمرد الجديدة التي تتخذ من جنوب ليبيا مقرا لنشاطها العام الماضي.
وقال الجيش: تدخلت طائرة ميراج 2000 تابعة للقوات المسلحة الفرنسية بالتعاون مع جيش تشاد في شمال البلاد لقصف قافلة من 40 سيارة بيك أب تابعة لجماعة مسلحة من ليبيا بعدما توغلت في عمق الأراضي التشادية.
وتابع: هذا التدخل، بناء على طلب من سلطات تشاد، ساهم في منع هذا التقدم المعادي وتشتيت الرتل، وقال مصدر عسكري فرنسي لا يزال ديبي الشريك المستحق والأقوى في المنطقة، ويعتمد التشاديون على فرنسا في ما يتعلق بالحدود مع ليبيا.
وفي نهاية أغسطس الماضي، عززت تشاد وجودها العسكري قرب الحدود المشتركة مع ليبيا، لتفادي هجمات مسلحة محتملة، كما أمرت جميع عمال مناجم الذهب بمغادرة المنطقة الشمالية عقب الهجوم الذي تبناه المجلس العسكري لإنقاذ تشاد على بعد 35 كيلومتراً من الحدود الجنوبية لليبيا، وأسفر عن مقتل بضعة أشخاص من بينهم 3 ضباط.
وتعد باريس الحليف القوي للجيش الليبي، وتربط القائد العام للجيش الليبي المشير خليفة حفتر علاقة جيدة بالرئيس التشادي.
وفي أكتوبر من العام الماضي زار حفتر تشاد، حيث التقى إدريس ديبي تزامنا مع اشتباكات بين فصائل مسلحة محلية في الجنوب الليبي وعصابات المعارضة التشادية
ويري مراقبون، فرار المتمردين في اتجاه الحدود التشادية على وقع الضربات العنيفة والمؤلمة التي تعرضوا لها في الأيام الماضية من قبل الجيش الليبي.
وفي بيان لها أمس الأثنين، قالت شعبة الإعلام الحربي التابعة لمكتب إعلام القيادة العامة إن مقاتلات سلاح الجو الليبي استهدفت الأحد تجمعات للمعارضة التشادية وحلفائها خلال تواجدهم على الأراضي الليبية بضواحي منطقة مرزق جنوب غرب البلاد.
وأكدت عبر صفحتها على موقع فيسبوك أن الإصابة كانت خلال الغارة التي تمت اليوم، وهي إصابة مباشرة أثخنت في صفوف العدو المنتهك للسيادة الليبية وخلفت له خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.
كما أكدت شعبة الإعلام الحربي أن مقاتلات سلاح الجو التي شاركت في تنفيذ الغارة الجوية عادت إلى قواعدها سالمة.
واندلعت الجمعة الماضي اشتباكات عنيفة بين قوات الجيش وعصابات من المعارضة التشادية في منطقة غدوة جنوب البلاد، مما أدى إلى مقتل ثلاثة جنود ليبيين ونحو 20 مسلحا تشاديا.
وكان مصدر رفيع المستوى من غرفة عمليات الكرامة كشف في تصريحات لموقع المرصد المحلي بأن معلومات استخباراتية موثوقة وعمليات رصد محكمة أثبتت أن القائد العام للمعارضة التشادية محمد حكيمي يقود المعركة بنفسه.
ويوصف حكيمي بأنه الذراع اليمنى للقيادي في المعارضة التشادية تيمان أرديمي الذي يقال إنه يقيم في العاصمة القطرية الدوحة وأدرجه النائب العام أيضا على قائمة المطلوبين التشاديين للقضاء الليبي.
وأضافت المصادر أن حكيمي يتخذ من بلدة أم الأرانب مركزا لعملياته مرجحة أن تكون محاولته لاستعادة منطقة غدوة تهدف إلى قطع الطريق على قوات الجيش ومنعها من التقدم نحو البلدة الأخرى حيث يتمركز مع مرتزقته.
السلطات الليبية، تتهم المتمردين التشاديين بالقتال إلى جانب مجموعات إسلامية متطرفة وفي مقدمتها ما يسمّى بـ”سرايا الدفاع عن بنغازي”.
وفي أول يناير الماضي، أصدر النائب العام في طرابلس أوامر بالقبض على عدد من قيادات المتمردين التشاديين كان من بينهم محمد حكيمي المتهم بالمشاركة في عدة هجمات ومعارك برفقة ميليشيا سرايا الدفاع عن بنغازي (فصيل مسلح يضم قيادات إسلامية متطرفة) وبقايا قوات إبراهيم الجضران الذي أُدرج بدوره على ذات القائمة.
ويهاجم إبراهيم الجضران وهو الآمر السابق لحرس المنشآت النفطية بين الحين والآخر منطقة الهلال النفطي التي انتزعها منه الجيش في سبتمبر 2016.
وعاد الجضران إلى الواجهة مجددا بعد أن سيطر في يونيو الماضي على ميناءي السدرة ورأس لانوف، قبل أن يتمكن الجيش الوطني الليبي، الخميس، من استعادة السيطرة عليهما في عملية خاطفة، انتهت بطرده وميليشياته من الرئة النفطية للبلاد.
وكان الجضران آمر حرس المنشآت النفطية الليبية، حين قاد مجموعة من المسلحين للاستيلاء على عدد من الموانئ النفطية في البلاد عام 2013، وهو ما أوقف حينها نصف صادرات البلاد من النفط وكبد ليبيا خسائر فادحة.
ولم تتوقف تصرفات الجضران على التعدي على منشآت البلاد، بل تجاوزها إلى المطالبة بإنشاء إقليم فيدرالي في برقة، والإعلان عن تعيين مجلس سياسي هناك، مما كان سيسهم في تقسيم البلاد التي يعيش اضطرابات سياسية منذ نحو 9 أعوام.
وتربط الجضران علاقة قوية مع المتمرد التشادي تيمان إرديمي، الذي يقيم في العاصمة القطرية الدوحة، ويمده بمرتزقة من تشاد للعمل في صفوف مجموعاته التي تنشط في منطقة الهلال النفطي.
وتشير أصابع الاتهام وفق ما ذكر عضو في البرلمان الليبي علي التكبالي، قطر وتركيا بالسعي إلى فصل الجنوب عن باقي أجزاء ليبيا عن طريق جماعة الإخوان المسلمين.
وقال في تصريحات إعلامية ليس بمقدور قطر أو تركيا لوحدهما فعل ذلك، فهناك دول أخرى لها أطماع في الجنوب وتريد له الانسلاخ والبعض الآخر يعتبر أن ليبيا دولة مترامية الأطراف ويجب أن يكون جنوبها دولة لوحده.
في سياق متصل، اتهمت بعض القبائل، قوات حفتر بأن هدف عملياتها هو التطهير العرقي وإبادة إحدى أكبر القبائل بالجنوب الليبي.
وطالب أعيان ومشايخ وأهالي قبيلة التبو في بيان لهم بمدينة مرزق (250 كيلومترا جنوبي سبها) بوقف “الإبادة التي يتعرض لها أبناء التبو في منطقة غدوة جنوبي ليبيا” على يد قوات حفتر.
وناشدوا حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا بقيادة فايز السراج، تحمّل مسؤولياتها تجاه أبنائها في الجنوب، لكن الحكومة لم تدل بعد بأي تصريح بشأن هذه المطالب أوالعمليات العسكرية لقوات حفتر، خاصة أن سبها وبلدات الجنوب الغربي تتبع إداريا لسلطتها.
وقال رئيس المجلس الاجتماعي لمرزق محمد لينو إن هدف العملية العسكرية التي أطلقتها قوات الكرامة في الجنوب هو القضاء على قبيلة التبو وكسر شوكتها.
وأضاف -في مداخلة له عبر قناة ليبيا الأحرار (خاصة)- أن قبائل التبو “ترحب بأي عملية يكون هدفها تطهير المنطقة من العصابات الأجنبية والإرهابية”، إلا أن قوات حفتر عملت على تشكيل لواء قبلي بغرض استهداف مكون التبو، محذرا في الوقت ذاته من تجدد الاقتتال في حال عدم انسحاب القوات المهاجمة.
وأدان التجمع الوطني التباوي ما تقوم به غرفة عمليات الجنوب التابعة لقوات حفتر لاحتوائها على قبائل متخاصمة معهم، وتقديمها الدعم العسكري واللوجستي لبعض القبائل على حساب أخرى.
وطالب التجمع في بيان له بالتحقيق مع آمر منطقة سبها العسكرية، المبروك الغزوي الزوي بسبب قيام مجموعات مسلحة تابعه له باستفزازات وسرقة ممتلكات خاصة وعامة، وفق البيان.
وتتهم قبائل التبو قوات حفتر بالاستعانة بقبائل لها عداءات قديمة معها ضمن قواتها التي تستعد للهجوم على مدينة مرزق (غلبية سكانها من التبو، ومن بين تلك القبائل، قبيلة أولاد سليمان التي تقطن مدينة سبها (ألف كيلومترا جنوب طرابلس)، حيث شهدت المدينة مواجهات مسلحة بين القبيلتين خلفت عشرات القتلى والجرحى في السابق. ويعود الصراع بين القبيلتين إلى عام 2012، عندما قتل مسلحون من التبو أحد قادة أولاد سليمان في منطقة تراغن قرب سبها.
وتتمركز حاليا الكتيبة 128 التابعة لقوات حفتر بمنطقة غدوة القريبة من مرزق والتي يقودها حسين الزادمة الذي ينتمي لقبيلة أولاد سليمان والتي تجمعها خصومات تاريخية مع قبيلة التبو.
وترتبط قبيلة التبو كذلك بعداء مع قبيلة الزوية التي تقطن مدينة الكفرة (جنوب شرق)، وكان القتال بين القبيلتين قد بدأ في 12 فبراير/شباط 2014، حيث تتهم قبيلة الزوية العربية قبيلة التبو بمهاجمة الكفرة بدعم من مرتزقة من تشاد، لكن التبو قالت آنذاك إنها هي من تعرضت للهجوم، وتحدثت عن “إبادة جماعية” مطالبة الأمم المتحدة بالتدخل.
ويري خبراء أن العمليات التي تخوضها قوات حفتر ستواجه الكثير من التعقيدات أهمها العامل القبلي والعشوائية وعدم وجود قوات نظامية متهيئة بشكل فعلي، وعامل الرقعة الجغرافية وعدم وجود سلطة مركزية متحكمة في هذه القوات.
وتري أن حفتر يعمل على توظيف التعقيدات القبلية لمآربه الشخصية، وليس من ضمن آلياته وأهدافه أن يكون هناك سلم اجتماعي، وهو يخلق الكثير من الفتن بين القبائل والقوات التي جاءت للجنوب، وأن عواقب العمليات العسكرية ستكون وخيمة على السلم الاجتماعي ما لم يتدارك العقلاء الأمر، وعواقبها ستكون حتى على الاقتصاد الليبي من خلال تدمير بعض المنشئات وهذا يعني توقفها لفترة طويلة الأمد.