حرب ترامب/كومي.. أسرار تكشف ورؤوس قد تتدحرج قريبا

طوله الفارع كان يساعده ليصبح لاعب كرة سلة محترف، لكنه اختار القانون .

بين مديح الرئيس الأمريكي دونالد له ووصفه بالشجاعة، وبين طرده من رئاسة مكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي أي) أيام قليلة، كانت كافية لإزاحته على وقع التدخل الروسي المحتمل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

كان يوصف عادة بأنه مدير سياسي ذو مهارة فائقة، لكن سمعته تعرضت لهزات خطيرة في الفترة الأخيرة؛ بسبب التحقيق في موضوع البريد الإلكتروني الخاص بهيلاري كلينتون، وهي القضية التي تقول كلينتون إنها كانت السبب وراء هزيمتها في الانتخابات في مواجهة ترامب في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.

جيمس براين كومي، المولود في نيويورك في عام 1960، خريج جامعة شيكاغو شعبة القانون عام 1985، عمل لدى شركات كبرى، بينها شركة “لوكهيد مارتن”، التي شغل بها وظيفة نائب الرئيس، و”بريدج واتر”، وكان أيضا عضوا في مجلس إدارة مؤسسة “إتش.أس.بي.سي” عام 2013.

وأصبح فيما بعد المدير السابع لـ”أف بي أي” في الفترة ما بين أيلول/ سبتمبر عام 2013، وحتى مايو/ أيار الماضي، بعد إقالته من قبل ترامب.

ويأتي قرار طرد ترامب له بعد مضي أقل من نصف فترته في المنصب، وهي 10 سنوات، بعد ترؤس كومي تحقيقات يجريها المكتب في الادعاءات بتدخل روسيا لصالح ترامب في الانتخابات، ويقول “الديمقراطيون” إن هذا هو السبب الحقيقي وراء قرار إقالته.

كان يحظى بالاحترام الكبير لمؤهلاته وصفاته، فقد ظل منخرطا في الدوائر السياسية والقانونية في ولاية نيويورك، التي ينحدر منها، على أعلى مستوى لثلاثة عقود.

وقيل إنه اجتذب -حينما كان المدعي الأمريكي عن منطقة ساوث ديستريكت في نيويورك- متابعين له من بين الكثيرين من الأشخاص العاديين في نيويورك؛ بسبب إصراره على الملاحقة القانونية للأغنياء وذوي السلطة.

وأصبح في عام 2003 نائبا لوزير العدل، وكان هو الذي رأس الادعاء في قضية مارثا ستيورات، سيدة الأعمال الشهيرة، والمذيعة المعروفة، التي ضللت المحققين في قضية بيع أسهم.

كما رأس أيضا القضية التي نالت تغطية إعلامية كبيرة، واتهم فيها المصرفي والمستثمر الأمريكي في “وول ستريت”، فرانك كواترون.

وزاد تركيز الإعلام الأمريكي عليه أكثر في العام التالي، عندما كشف عن مواجهة بينه وبين مسؤولين كبار في إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش خلال شغله منصب وزير العدل بالنيابة، عندما مرض وزير العدل جون أشكروفت، ونقل إلى المستشفى.

وكان ألبيرتو غونزاليس مستشار بوش، ورئيس الأركان أندرو كارد، يضغطان على أشكروفت وهو في المستشفى؛ للموافقة مرة أخرى على برنامج مثير للجدل يسمح للوكلاء الفيدراليين بالتجسس على المحادثات الهاتفية دون تصريح.

ولكن كومي، الذي كان وزيرا للعدل بالنيابة، سارع إلى المستشفى، وتدخل في الأمر.

وأدخلت بعد ذلك تعديلات على البرنامج، نال عليها كومي ثناء واسعا.

وبعد ترك العمل مع إدارة بوش، عمل كومي مستشارا عاما لجمعيات، ومحاضرا في كلية الحقوق بجامعة “كولومبيا” في نيويورك.

ليتوج كل ذلك بتعيينه في عام 2013، من قبل الرئيس السابق باراك أوباما، مديرا لمكتب التحقيقات الفيدرالي، ووصفه أوباما آنذاك بأنه “الرجل الذي يقف شامخا من أجل العدالة وسيادة القانون”.

وكان كومي في قلب الحدث في انتخابات 2016 للرئاسة الأمريكية، وتدخل مرتين خلال الحملة الانتخابية بإصدار تصريحات بشأن التحقيق في موضوع البريد الإلكتروني لهيلاري كلينتون.

وقال في يوليو/ تموز الماضي إن القضية يجب أن تغلق دون أي ملاحقة قضائية، لكنه أعلن بعد ذلك، وقبل الانتخابات بـ11 يوما، أنه أعاد فتح التحقيق، بعد أن اكتشف أمورا جديدة ذات صلة بالبريد الإلكتروني لكلينتون.

وقال كومي، خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ بالكونغرس، إن مساعدة كلينتون الرئيسية أرسلت “آلافا ومئات” من رسائل البريد الإلكتروني، “بعضها يتضمن معلومات سرية”، إلى زوجها آنذاك.

لكن مكتب التحقيقات الفيدرالي اعترف بعد ذلك بأن مجموعتين فقط من الرسائل كانت تتضمن معلومات سرية، هي التي أرسلتها أبيدين إلى زوجها لطباعتها.

وبينما بدا للجميع أن العلاقة تسير على تناغم تام بين كومي والإدارة الجديدة للبيت الأبيض، فاجأ ترامب الجميع، وأعلن في مايو/ أيار الماضي إقالته لكومي، قائلا “إنه لم يعد قادرا على إدارة المكتب بفاعلية”.

وقال ترامب في رسالة إلى كومي نشرها البيت الأبيض: “من الضروري أن نجد زعامة جديدة لمكتب التحقيقات الاتحادي تستعيد الثقة العامة في مهمتها الحيوية لإنفاذ القانون”.

يذكر أن كومي كان يدير سلسلة تحقيقات على عدة مستويات في علاقة ترامب ومساعديه بالسفير الروسي لدى واشنطن سيرغي كيسلياك. ورفض ترامب الاتهام الموجّه إلى روسيا بأنها قرصنت “الحزب الديمقراطي” لتعزيز فرصه في الوصول إلى البيت الأبيض.

لكن كومي لم يحول خده الأيسر لترامب، ولم يصمت أمام صفعته له، فقد واصل الرجل كشف ما جرى بينه وبين ترامب، والذي تسبب في إقالته؛ ففي شهادته أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، قال إنه “ليس لديه أدنى شك بأن روسيا تدخلت في الانتخابات الأمريكية”، وأكد أن سلوك ترامب بقضية التدخل الروسي في الانتخابات” كان مقلقا للغاية”.

ويريد أعضاء لجنة مجلس الشيوخ الـ15، الذين جلسوا قبالة المدير السابق للـ”إف بي آي”، معرفة ما إذا كانت الطلبات الرئاسية المتكررة، التي قُدمت في لقاءات ثنائية في البيت الأبيض، تشكل تدخلا سياسيا وعرقلة لسير العدالة، وهي جنحة كبرى أدت في السابق إلى شروع الكونغرس في إجراءات إقالة بحق الرئيسين ريتشارد نيكسون وبيل كلينتون.

وردا على سؤال لمعرفة ما إذا كان الرئيس أو الإدارة طلبا منه “وقف” التحقيق الذي يجريه مكتب التحقيقات الفيدرالي في مسألة التدخل الروسي، أجاب بالنفي.

لكنه اعتبر أن تصرفات الرئيس “مقلقة للغاية”، من دون أن يوفر انتقاداته لترامب.

وندد بالتفسيرات المتغيرة للرئيس الأمريكي حول دوافع إقالته من منصبه، متهما الإدارة بأنها قامت بـ”التشهير به”، ودافع عن شرف مكتب “التحقيقات الفيدرالي”.

وقال كومي: “اختارت الإدارة بعد ذلك التشهير بي، والأهم التشهير بمكتب الـ(إف بي آي)؛ بالقول إن المكتب في حالة من الفوضى، وإن قيادته ضعيفة، وإن العاملين فيه فقدوا الثقة بمديرهم”، مضيفا: “تلك كانت ببساطة أكاذيب”.

وأكد أن ترامب طلب منه وقف التحقيق بحق الجنرال مايكل فلين المستشار السابق في مجلس الأمن القومي، والذي أُقيل في فبراير/ شباط الماضي؛ لأنه لم يقل كل الحقيقة بخصوص محادثاته مع السفير الروسي لدى الولايات المتحدة.

وروى كومي أن ترامب قال له خلال لقاء على انفراد بالبيت الأبيض، في 14 فبراير/ شباط الماضي: “آمل أن تجد طريقة لوقف هذا، لترك فلين وشأنه. إنه رجل صالح”. ونفى ترامب أن يكون قام بأي طلب من هذا النوع.

وأكد كومي لترامب 3 مرات أنه ليس مستهدفا في التحقيق، إلا أنه رفض الطلبات المتكررة للرئيس بأن يبرئ ساحته علنا؛ للقضاء على إمكانية التحقيق الروسي التي تلقي بظلالها على ولايته الرئاسية.

ولا يتجرأ غالبية الديمقراطيين على المجازفة بالحديث عن إقالة الرئيس؛ لأنهم يفضلون معرفة الوقائع قبل ذلك. لكن الكلمة لم تعد مستبعدة؛ إذ طلب النائبان آل غرين وبراد شيرمان فتح تحقيق حول آلية إقالة أمام مجلس النواب.

ولحماية استقلالية التحقيق حول العلاقات مع روسيا، عيَّن القضاء الأمريكي في مايو/ أيار مدَّعيا عاما خاصا.

معسكر ترامب هو الآخر لم يصمت أمام ما قاله كومي أمام “الكونغرس”؛ فقد أكد المحامي الشخصي لترامب أنه لم يطالب مدير مكتب التحقيقات الفدرالي المقال جيمس أبدا بـ”الولاء”.

وأكد مارك كاسوفيتش أن ترامب لم يطلب من كومي بأي شكل من الأشكال وقف التحقيقات حول أي علاقة مشبوهة بين روسيا والحملة الانتخابية لترامب.

وأضاف أن شهادة كومي أثبتت أن ترامب لم يكن قيد التحقيق حول التدخل الروسي في الانتخابات من قبل مكتب التحقيقات الفدرالي.

وألمح محامي ترامب في البيان إلى إمكانية ملاحقة كومي؛ بتهمة تسريب معلومات للإعلام. فيما قالت ساره هاكابي ساندرز، في المؤتمر الصحفي اليومي للصحفيين المعتمدين لدى البيت الأبيض: “يمكنني أن أؤكد بثقة أن الرئيس لا يكذب. وبصراحة، أشعر بالإهانة جراء هذا السؤال”.

وكما يقال: “عندما يختلف الشركاء تظهر الحقائق”، فإن كرة الثلج التي تتدحرج في أروقة “الكونغرس” والبيت الأبيض تبدو كأنها توشك أن تأخذ معها الكثير من مخلفات ترامب سيئة السمعة، ورؤوس عدد من مستشاريه وحلفائهم السفراء الأجانب والعرب قد تتدحرج قريبا.