النظام الإيراني والظلم بحق المواطن والدين


عند انتصار الثورة في إيران كان رجال الدين من أكثر المجموعات نفوذاً في المجتمع، حيث عملوا لحشد المواطنين من مختلف الأعمار والثقافات والأيديولوجيات لمقارعة نظام كان يحظى بدعم القوى الكبرى.
وقبل ثورة 1979 ناضلت الكثير من المجموعات والتنظيمات ضد النظام السابق، لكنها لم تفلح في الإطاحة بنظام الشاه، ولما أدركت هذه المجموعات مدى نفوذ رجال الدين بين المواطنين استمرت في النضال تحت عباءتهم لتحقيق أهدافهم.
وكان نفوذ رجال الدين في إيران قد بلغ حداً تحول فيه إلى إقناع شعبي بأن الامور لن تسير دون مشاركتهم، وقد استغل الحاكم في الدورات التاريخية المختلفة هذا الانطباع من خلال استقطاب رجال الدين للوصول إلى أهدافهم، وكان يتردد أنه دون مشاركة رجال الدين لا يمكن الوصول الى الكثير من الأهداف.
وخلال القرنين الماضيين لم يمر أي تطور في السلطة في إيران إلا وكان رجال الدين مساهمين أو ممانعين فيه، مثل تطورات ثورة الدستور في فترة حكم القاجاريين، حيث كان يطالب عدد منهم بالملكية الدستورية، وكان عدد آخر منهم يعارض هذه المطالب بشدة ويعتبرها فساداً في الدين.
أما بعد وصول رجال الدين الى الحكم قاموا بإجراءات غريبة لتعزيز موقعهم والانفراد بالحكم وإلغاء الآخرين، فكانوا قبل الثورة يؤدون دور المستشار المشفق ولم يعتبروا الخدمات التي يقدمونها للمواطنين مهنة بل تكليف شرعي، وكان المواطنون يحيلون الكثير من القضايا اليهم بشكل غير رسمي ويقبل الكثير منهم ما يفتي به هؤلاء.
لكن بعد انتصار الثورة سقطت مكانتهم بالتدريج بسبب استغلالهم للحكم، وبلغ الكره لهم في المجتمع حداً، حيث يواجه بعضهم مشاكل في التعامل الاجتماعي مع المواطنين وحتى خلال التردد في الشوارع؛ لأن حكمهم بات يجني الكثير من القضايا للشعب، وتؤثر هذه الأمور مباشرة على حياة المواطنين، وفي المقابل تعمل السلطة الحاكمة بتوسيع نفوذها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي رغم عدم امتلاك الكفاءات اللازمة في الشؤون المختلفة.
والغضب الشعبي في إيران ضد رجال الدين لم يشمل فقط السياسيين منهم بل حتى أولئك الذين لم يتدخلوا في السياسة لأنهم كانوا في فترة من دعاة الحق والدفاع عن المظلومين، ولما أصبحوا من أكبر المبررين للفساد والظلم في الوقت الحالي فلم يعد الشعب يحترمهم وينظر اليهم بعين الغضب.
والموقف من رجال الدين قد أدى أيضاً إلى تضعيف معتقدات المواطنين؛ لأن التدين لدى غالبية المواطنين في البلد لم يكن على أساس البحث والانتخاب، بل على أساس الثقة برجال الدين، لكن ابتعادهم من المواطنين ترك تأثيراً سلبياً على الدين نفسه، ومن نتائجه التوجهات المناهضة للدين لدى جيل الشباب في إيران، هذا في وقت نشهد فيه تعزيز مكانة الدين في العالم والبلدان المجاورة لإيران. وهذا يتعارض مع ما يروج اليه النظام بأن هروب الشباب من الدين يعود الى “الغزو الثقافي للغرب”.
كان رجال الدين في إيران من خلال إصدار فتوى “منع استعمال التبغ” في فترة حكم القاجاريين قبل حكم الشاه قد عرضوا مدى تأثيرهم في المجتمع، حيث رفض الخدم في تلك الفترة تلبية طلب الملك القاجاري لإعداد “النارجيلة” له بسبب تلك الفتوى، لكن السلوك السياسي والديني لهم اليوم لم يؤثر على أبنائهم حتى ويكشف هذا مدى مكانتهم في المجتمع.

الرابط الشبكي : http://www.alarabiya.net