القراءة الديموغرافية للثورات العربية في سيمنار المركز العربي

عُقدت الحلقة السادسة من سيمنار مشروع “التحول الديمقراطي ومراحل الانتقال في البلدان العربية” ضمن برنامج سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وكان موضوع “الثورات ومأزق الانتقال السياسي والاجتماعي في البلدان العربية: قراءة ديموغرافية”، محور هذه الحلقة التي استضافت باحثَين من أبرز الباحثين العرب في مجال الدراسات السكانية؛ وهما الدكتور يوسف كرباج الأستاذ في المعهد الوطني الفرنسي للدراسات السكانية، والدكتورة حلا نوفل أستاذة الدراسات السكانية في المعهد العالي للدكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية في الجامعة اللبنانية.

وفي مداخلتها التي رسمت من خلالها خريطةً ديموغرافيةً للعالم العربي عشية الحركات الاحتجاجية عام 2011، بينت الدكتورة نوفل أنّ المجتمعات العربية تشهد عملية انتقال كبيرة من نظام ديموغرافي قديم أو تقليدي وسمه ارتفاع معدلات المواليد وانخفاض الوفيات، صوب نظام ديموغرافي حديث، يتميز بمستويات منخفضة جدًا للمواليد. وما نقصده بتعبير تحوّل ديموغرافي هو تلك الفترة الانتقالية التي تفصل بين النظامين حيث يكون انخفاض مستوى الوفيات في البداية مستمرًا، مع استمرار مستوى الولادة في الارتفاع، ثم يقع انخفاض هذا المستوى بعد أن يشهد المجتمع نموًا ملحوظًا للسكان في ظل طفرة تحديثية ومعدلات تنمية اقتصادية واجتماعية كبيرة خصوصًا في مجالَي الصحة والتعليم، فضلًا عن التوجهات الحضرية. وتتمثّل السمة الأكثر تفسيرًا بأنّ ارتفاع المستوى التعليمي قد ساهم مساهمةً كبيرة في تغير الاتجاهات والموقف من الإنجاب وتطور أوضاع المرأة الاجتماعية. وفي العموم كان أثر العوامل الثقافية بالمعنى الواسع مؤثّرًا في تفضيل حجم العائلة الأصغر. وأنتج هذا ما يُعرف في دراسات السكان باسم الفرصة الديموغرافية، وإمكانية واسعة لتحصيل عوائد هذا التحول في البنية العمرية للسكان، وقلة معدلات الإعالة على عاتق من هم في سن العمل، وهو الأمر الذي يضمن بذاته المزيد من الموارد للاستثمار في رأس المال البشري (الصحة، والتعليم)، ورأس المال المادي، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. لكن، كان الأمر يحتاج إلى تحولات سياسية وإصلاحات وخطط تكفل هذا الاستثمار للعوائد الديموغرافية وتحصيل ثماره. وتشير الإحصاءات العربية إلى أنّ الزيادة السكانية التي تحققت على مدى العقود الماضية، بسبب التأثير المشترك للانخفاض السريع لمعدلات الوفيات، وانخفاض معدلات الخصوبة وإن بوتيرة أبطأ، يرجح استمرار هذا الاتجاه في المستقبل القريب، واستمرار تحولات البنية العمرية للسكان، لتبقى فتيةً نسبيًا. في عام 2015، قُدّر عدد سكان المنطقة العربية بنحو 390 مليون نسمة، متجاوزًا ضعف هذا العدد الذي سُجل عام 1980، وكان 166 مليون نسمة فقط. بينما تشير التوقعات إلى أنّ عدد سكان المنطقة سيصل إلى 660 مليون نسمة في عام 2050 (وفقًا لسيناريو المتغير المتوسط ​​للخصوبة). وتدفع هذه الحال نحو المزيد من الطلب على العمل، مع نمو هذه الفئة. وهو ما يمثّل المعلم الأبرز ضمن مشهد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الراهنة. وقدّمت الدكتورة نوفل بانوراما إحصائية مقارنةً بين ديموغرافيا البلدان العربية المختلفة في المشرق والمغرب. وفي النهاية أبرزت حقيقة أنّ الاتجاهات المستقبلية للديموغرافيا العربية يظللها عدم اليقين، نظرًا إلى الصراعات التي أثّرت في شرائح كبيرة من السكان في المنطقة العربية. وأكدت أيضًا أنّ الأثر المباشر للصراعات في بلدان العالم العربي وخصوصًا تلك الأقل نموًا بينها، لم ينعكس على معدلات وفاة الأطفال والبالغين فحسب، ولكن على معدلات النزوح والهجرة الداخلية والخارجية أيضًا.

وبدأ الدكتور كرباج باستعراض صيرورة التحولات الديموغرافية في العالم العربي وتلك الاتجاهات المتعاكسة التي تبينها الإحصاءات العربية، ومدى ارتباطها بالتحول السياسي في المنطقة العربية وأزماتها. وبيّن كرباج أنّ الانتقال الديموغرافي ظاهرة عالمية لها تاريخ ممتد ترافق مع عملية التحديث التي شهدتها المجتمعات. وهي ظاهرة باتت تشمل العالم العربي الآن. إنّ قراءة الإحصاءات العربية تضعنا أمام تساؤلات عدة، ومخاوف وآمال. وذهب كرباج إلى أنّ قانون ستون Stone’s law ربما يفسّر بعضًا من تلك الاضطرابات السياسية التي شهدتها المنطقة، بحيث يضع معيارًا يتمثّل بأنّ الاضطرابات السياسية تبدأ عندما يصل عدد السكان إلى عتبة 50 في المئة من الشباب المتعلمين. والأمر ليس متعلقًا بالتعليم فحسب، فثمة جوانب عدة للديموغرافيا والتحول الأسري تعيد تشكيل المشهد العربي، منها الهجرة والخصوبة والمستوى الصحي، وغيرها. وتبين تحولات التعليم في المنطقة العربية مدى الارتباط بينها وبين الموقف الديموغرافي والاتجاهات الإنجابية، والميل إلى الفردانية والبعد عن الأسرة الممتدة. ويكفي في تأثير الحالة الصحية وتحسّن خدماتها بالعموم أن نعرف أنّ متوسط العمر المتوقع عند الميلاد قد زاد في البلدان العربية من 40 سنةً في عام 1950 إلى أكثر من 75 سنة اليوم. وأوضح كرباج أنّ إبعاد شبح الوفاة المبكرة كان يعيد تشكيل نفسية السكان ويقلل التوجهات القدرية التي كانت تهيمن على الثقافة. كما كان للتحولات الثقافية والميول الفردانية آثارٌ في الخصوبة والإنجاب، وتفضيلات الزواج. وضرب كرباج مثالًا بالمغرب في 2010 حيث بلغت معدلات عدم الزواج نسبًا كبيرة؛ إذ تبلغ نسبة العزاب 42 في المئة من الذكور و33 في المئة من الإناث في الفئة العمرية ما بين 30 و34 سنة. كذلك الأمر بالنسبة إلى الجزائر وتونس، فالعمر عند الزواج نحو 30 سنة (مرتين أكثر من العمر في الستينيات). وانخفضت في العموم في العالم العربي ظاهرة زواج الأقارب، وغلبة الاختيار الشخصي بعيدًا عن الزواج المدبر بمشورة الوالدين، وزادت معدلات الطلاق أيضًا، فضلًا عن الهجرة والانتقال الداخلي. وبات القبول بحدٍ أدنى للإنجاب ممثلًا بطفلين، واسًعا. وأصبح القبول بعدم وجود ابن ذكر شائعًا، في تناقض مع البطريركية السائدة والمتجذرة بعمق. وأصبحت ظاهرة الأسرة النووية مهيمنةً؛ فبلغت مثلًا في 2004 ما نسبته 63 في المئة من الأسر في المغرب، بينما كانت 51 في المئة فقط عام 1982، وانخفضت نسبة الأسر الممتدة انخفاضًا كبيرًا. وصارت البنية الحالية للمسؤولية ضمن الأسرة موزعةً بين الزوج والزوجة. خصوصًا أنّ حقوق النساء شهدت تطوراتٍ كبيرةً مقارنةً بالعقود السابقة، نتيجة للتعليم والعمل وعوامل المشاركة الاجتماعية. تشير إحصاءات تعليم الإناث إلى ارتفاع نسب التحاقهنّ بالتعليم بدرجاته المختلفة، بل إنّ صافي التحاق الإناث بالتعليم بات أعلى منه لدى الذكور في معظم الدول العربية: الجزائر (68/ 65)، وفلسطين (87/ 82)، والكويت (92/ 88). ويشير الشكل إلى نسبة الالتحاق بالمستوى الجامعي في عام 2010 لمن هم في سن تراوح بين 18 و24 سنة بحسب الجنس والدولة.

لكن يظل الفارق الموضوعي في التشغيل؛ فالنساء لا يحظين بفرصهن المكافئة من العمل. وتتعلق ظاهرة تهميش المرأة بالأوضاع السياسية بوضوح. ويمكن أن نستحضر أمثلةً لها من خلال إحصاءات بلدان، كالجزائر وتونس ومصر.

وتوافرت في العالم العربي عوامل كالتعليم الشامل واتساع نطاق التوجهات الفردانية والتنمية الصحية التي حدّت بصورة كبيرة من الوفيات وعززت الميل إلى توجهات فكرية أقل قدرية. وهي عوامل إيجابية عاجزة عن أن تمنع الأثر الكبير لغياب الحريات والفشل التنموي والعجز عن استيعاب فئة الشباب في أسواق العمل. أفضت هذه الحال إلى الاضطراب السياسي وتدهور الأوضاع المعيشية. ويظل فائض الذكور القابع في ساحة البطالة ينذر بالعنف والاضطراب.

وربما نقف في هذه اللحظة أمام سلسلة من الأجيال القصيرة من الثورات؛ منها الثورة الثقافية، حيث التغلغل الملحوظ للإناث في التعليم بمختلف مراحله. وفي أعقاب الثورة الديموغرافية يشهد العالم العربي استخدامًا واسعَ النطاق لوسائل منع الحمل، وانخفاضًا لظاهرة الزواج المبكر، واتساعًا في الاتجاهات الفردانية، وانقطاعَ التسلسل الهرمي للأسرة التقليدية. ولكن، لم يتحقق الأثر الإيجابي في المجالين السياسي والاجتماعي.

وخلص كرباج إلى أنّ تساوي التحول الديموغرافي مع التحول الديمقراطي ليس من باب المبالغة؛ فالتحول الديمقراطي سيعود على المجتمعات بقدرة استيعابية أكبر لطفراتها السكانية، ويفضي إلى المزيد من الإنماء. وفي ظل الأوضاع الراهنة، يُخشى أن يكون الوضع الديموغرافي بعد عشرة أعوام أكثر إثارةً للتشاؤم.