العِراق: هدايا 'سنية' لمتشددي الشِّيعة

 

العِراق: هدايا ‘سنية’ لمتشددي الشِّيعة

 

الرابط الشبكي : http://www.middle-east-online.com/?id=162779

الدولة تدار من فريق سياسي شيعي في أغلبه، لذا نكثر اللوم على الشيعة، ونكرر من العقلاء، إن استعداء حزام بغداد وبادية الأنبار، وسهول الموصل، سيقدم المقموعين هدية لتنظيمات الموت والتشدد. أكتب هذا لا لتبرئة نفسي من شيء، فأنا من شريحة اعتادت أن تحاصرها شتى الاتهامات، لأننا اخترنا ألاّ نقف مع هذا ولا ذاك، في طريقة حياتنا، وفي انحيازنا لشكوك بلا نهاية، ومللنا من اليقين البارد.

الشريحة التي ليس لديها انتماء واضح الا للشك العلمي، اعتادت حين تتناول المواضيع الكبرى، ان لا تنشغل بالانحياز، بقدر ما تحاول العثور على”الحلقة المفقودة”في الموضوع، وذلك الجزءالذي يتهرب منه”العقل الباطن”لكل الجماعات المحبة لليقين البارد.

ولذلك حين يحترق ذلك اليقين ويتحول إلى “جثة” في دواخل الجماعة، اقتباسا من شاعر كردي من ايران في رائعة “فصل الكركدن”، فإن المنتمين للطوائف يملون من تقاذف الشتائم فيما بينهم، ويهرعون إلينا نحن اللامنتمين، أصحاب الشك الأبدي، فيقرأ كل منهم أفكارنا باحثا عن نقطة جديدة تنفعه هو، وتشج رأس خصمه. وكثيرا ما تركوا جوهر ما نقول وراحوا يفتشون بلا جدوى عن انحيازات لطائفة او مذهب.

نحن اللامنتمين. لا مصلحة لدينا بتفوق فئة على أخرى، وكل ما نحلم به أن يتصالح اهل اليقين البارد، ويفرغوا من”وساوس إنقاذ العالم”التي تستولي على رؤوسهم تحت مزاعم الفرق الناجية. فحين يصطلح هؤلاء سيكون في وسعنا أن نحلم بالسلام ونتفرغ لشكوكنا اللذيذة.

كل الموضوعات الحساسة التي تناولها ابناء طائفتي”طائفة الشك”كانت تثير غيظ طوائف اليقين في الغالب. وبمفردات الاحتراب الطائفي، يقول لي أبناء جلدتي الشيعة، انني لم اكتب بالقدر الكافي عما يتعرضون له من ذبح. كما يقول لي أبناء جلدتي السنة، أن ما أسجله غير كاف في إدانة ما تعرضوا له من ظلم. وفي الحقيقة فإن الظلم الذي تعرض له الجميع، أكبر من أن تستوعبه مقالات طائفة “الشكاكين”. وحسبنا ان ننجح ولو بالقليل، في المساعدة على اعلاء صوت من العقلانية هنا او هناك، لبلورة حل وسط، قد لا ينهي الصراع لكن في وسعه تخفيفه.

ولأن الدولة تدار من فريق سياسي حول المالكي شيعي في أغلبه، فإننا أبناء طائفة الشك الساخن، نكثر اللوم على شيعة العراق، ونكرر كل يوم مع كثير من عقلاء الشيعة، أن استعداء حزام بغداد وبادية الأنبار، وسهول الموصل، سيقدم الاهالي المقموعين هدية سهلة الى تنظيمات الموت والتشدد، الذين يرفض منطقهم السنة والشيعة معا، لانهم داء وبيل يخرب موازين التاريخ ولا يترك حجرا على حجر.

وبقدر ما كان هذا ضروريا في الاشارة والتصريح، فإن من الضروري ان يثير السجال الوطني المسؤول، مسؤولية مراكز القوى السنية أيضا، عن مواقف وتصريحات، قامت بتعميم اللعن والاعتراض على كل الشيعة، واستخدمت عبارات تهديد فضفاضة، جعلت معظم اتباع المذهب الجعفري يشعرون بالتهديد. وكان غياب الدقة في اختيار العبارات ولايزال، عنصرا أفاد منه سلطان تنقصه الحكمة، في التعبئة لحماية كرسيه على اسسارادها طائفية. ولولا كلمات متعقلة من امثال الشيخ العلامة السعدي ونظيرتها لدى عقلاء شيعة اسلاميين وعلمانيين، لوجدنا اليوم حريقا اكبر من هذا الذي يسود ليالينا ويخرب صباحاتنا.

اناي تعامل مع المالكي بوصفه دكتاتورا شيعيا، وتجاهل الاقوالوالافعال الشيعية التي عارضت نهجه، وغامرت بإغضاب”وحوش المذهب”الكاسرة في الداخل والخارج، سيقدم الشيعة هدية الى فريق المالكي، وفريق المتشددين العابرين للحدود. وبذلك سنكون ضحية تبادل هدايا، فالسنة يهدون الشيعة لمقاتلين وساسة متشددين، والمالكي يهدي السنة للقاعدة، وبعد انتهاء حفل المجاملات والهدايا هذا، يبدأ حفل”باربي كيو”ويحول الوطن الى مناسبة شواء في الهواء الطلق.

ان بين ايدينا مصالح عظمى قابلة للصون بشيء من الحكمة. وفي الفريقين حكماء يختارون كلماتهم بعناية ويمكن أن يصمموا التسوية الكبيرة، لكن المهمة لن تصبح ممكنة قبل ان تظهر إرادة واضحة، لإسكات الحمقى السنة والشيعة. وليس عيبا وجود مجانين في المنزل، لكن العيب أن يتفوق الحمق على التدبير.