العِراق… دولة المكوّن الشيعي!

 العِراق… دولة المكوّن الشيعي!

ليس من قبيل الصدفة، اليوم، أن تكون رئيساً لتحرير جريدة “الصباح”، فهذا معناه، وبشكل واضح وصريح، أنك قريب جداً من أفكار السيد رئيس الوزراء. السيد المالكي يسيطر سيطرة مباشرة على أغلب مفاصل الدولة العراقية، من مال وتجارة وخارجية وأمن وجيش، فهل يمكن أن يشذّ الإعلام الحكومي عن هذه السيطرة؟

عموده الذي أتحدث عنه حمل عنوان: “المكون الشيعي”، وهو يقدم رؤية واضحة للعراق الجديد، الذي أسهم الشبوط، والمالكي، طبعاً، في صياغته. وفي المجمل، يريد عمود الشبوط الحديث عن أربعة محاور، هي:

1. البراءة من أصطلاح “المكون”، ذلك الذي شاع على ألسنة السياسيين بعد أن تلقفوه، على ما يزعمون، من السيد بول بريمر. فصرنا نتحدث عن مكونات عراقية وليس عن مواطنين، أو شعب عراقي. السيد الشبوط ينتقد قصة المكونات بوصفها ضد الدولة الديمقراطية. نحن معك، ولكن، ما الذي فعلتموه لصدّ هذه الفكرة التفتيتية غير تكريسها؟

2. وفي المحور الثاني يقول الكاتب أن “المكون الكردي يعيش في حالة تنمية مستمرة للمناطق التي يعيش فيها (…)، المكون الكردي منسجم مع نفسه ومع شعاراته. لم يتظاهر أبناء المكون الكردي ضد رواتب النواب التقاعدية”. ولكنه تظاهر من أجل الحرية، وضد التوريث، وضد الفساد.. بمعنى، فانت تنظر للشعب الكردي نظرة قاصرة، هي ذات النظرة التي يقدمها عراقي من أبناء الجنوب، حرم بسبب دولتنا الغنية، من كل شيء، فرأى في كردستان جنة الله على الأرض.

3. وفي المحور الثالث يقول أن “المكون السني يشكو الإهمال والتهميش (…)، إلا أنه يتمتع بدرجة لا بأس بها من الأمن، في الاقل على صعيد غياب المفخخات والعبوات الناسفة. لا توجد مشكلة بين النخبة السياسية السنية, وبين الجمهور السني الممتد في نحو 6 محافظات (…)، لم يتظاهر ابناء المكون السني ضد رواتب النواب التقاعدية”. أربعة سطور مليئة بالمتناقضات عن “المكون السني”، وأكثرها مثاراً للسخرية قصة التظاهر ضد رواتب النواب. الا تتدرك يا سيدي أن أبناء هذه المناطق يتظاهرون منذ شهور ولم تقدموا لهم غير الشتيمة فانقلبت بعض تظاهراتهم إلى منصات للتحريض والوعيد، أنتم سعداء، طبعاً، بهذه النتائج!

4. أما محوره الرابع فعن “المكون الشيعي (…)، لم تحرز مناطق هذا المكون تقدما عمرانيا ولا تقدما سكانيا (…)، تعاني هذه المناطق كثرة العمليات الارهابية. يمكن القول إن عدد الضحايا الشيعة يفوقون عدد نظرائهم من المكونات الاخرى. يعاني المكون الشيعي خلافات بين كياناته السياسية الكثر، ولم تتوصل نخبته السياسية الى شبه اجماع سياسي بشأن الدولة العراقية.

يمارس الكثير من ناشطي هذا المكون سياسة التسقيط بحق اخوانهم، مما لا يمارسونه مع غيرهم، ومما لا نجد مثله في المكونات الأخرى. يوجد في هذا المكون من لا يثق بالنخبة السياسية الشيعية. التظاهرات التي طالبت بالغاء رواتب النواب التقاعدية كانت شيعية في الاغلب”. مرة أخرى: التظاهرات التي طالبت بالغاء الرواتب. مع أن قصة العمود كانت عن “المكون الشيعي”، ومحاولة تقديم رؤية تشريحية لواقع المكونات العراقية.

وفي ختام كلمته يصل الكاتب للقول، بثقة ويقينية: “بمعنى من المعاني، يبدو أن جوهر مشاكل الدولة العراقية بهوية شيعية”!! ملاحظة: علامتا التعجب ليستا من عندياتي، بل من قبل الكاتب، وكان يمكنه الاكتفاء بواحدة، ولكن، ربما أراد تأكيد ما هو متأكد منه، بحال الاستغراق بالاستغراب، والله أعلم!

اعتقد ان قارئ عمود السيد محمد عبد الجبار الشبوط، يصل إلى نتيجة مفادها أن العراق، الذي نتحدث عنه، أنما هو عراق الشيعة فقط. وليست جملته التي يختتم بها عموده، والتي يقول فيها أن “جوهر مشاكل الدولة العراقية بهوية شيعية”، سوى احد مفاتيح تلك النتيجة.

وفي الوقت عينه، فأنا أعتقد بأن الكثير من أبناء النخبة الشيعية في الحكم يؤمنون تماما، وبيقين تام أن العراق صار ملكهم هم وحدهم، أما قصص الشركاء، والشراكة، وما شابه، فليست أكثر من تمثيليات. قصة “ما ننطيها” تفصح عن بعض من هذه الحقيقة.

البعثيون، قبلهم، كانوا ردّدوا جملة صارت من أدبيات السياسة العراقية، ومفادها: “جئنا لنبقى”. بين الشعارين فرق بسيط. فهنا شعار آيديولوجي، وهناك شعار طائفي. وبكل الأحوال، فإن مقاصد السيد الشبوط، إن لم أقع في فخ ظلمه، تنطلق من موجهات طائفية محض، هو لا يتحدث بوصفه عراقياً، بل شيعياً، ولأنه كذلك، لا يستغرب عدم خروج السنة مع المتظاهرين من أجل إلغاء الرواتب التقاعدية للرئاسات، كما فعل الشيعة مثلاً، أما خروجهم المستمر منذ شهور، فهو بالنسبة له مجرد تهديد لسلطة الشيعة، وبالنتيجة لا يجد في مظاهراتهم تلك أيّ حق. وكما تتابعون، فلقد كرر السيد رئيس الوزراء مثل هذه الجملة مرات كثيرة، كان آخرها في مناسبتين بعد توقيع ما يسمى بـ”ميثاق الشرف”.

الشبوط، ومن قبله المالكي، وبينهما جمهور طويل، وفيه نخب سياسية ومثقفة كبيرة جداً يؤمنون بهذه الفكرة، ولكنني لا أعرف لماذا يؤجلون إعلانها الصريح. الفكرة هي أن العراق للشيعة فقط، وهؤلاء السنة الذين يملأون ساحات الاعتصام في ست محافظات إنما يريدون سرقة الحلم الشيعي!.

وبالعودة إلى مناقشات الشبوط لمحور السنة، في عموده، يؤشر ثلاثة ملاحظات: “استتباب وضع المناطق السنية الأمني”، و”عدم وجود مشكلة بين سياسيي السنة وجمهورهم”، و”انهم يشكون من التهميش”. يا سلام! بمثل هذه البديهيات يقاد العراق، فتصبح، استناداً لرؤية الشبوط، مشكلة السنة في “العراق الجديد” هي أبسط وأسهل من أن نحار في تحليلها. وما دامت كذلك، فأنا أتساءل، بعقل صبيّ غرّ، لماذا لم تحلّوا مشكلتهم إذن؟ ولماذا قررتم أنهم “ايتام صدام” و”حواضن القاعدة” و”أعداء العراق الجديد”؟

من الواضح، بالنسبة لي، أن السيد الشبوط، وهو المقرب من دولته، يريد تصدير وجهة نظر تدميرية لا تمت بأي صلة لدولة المواطنة، أو دولة القانون، أو الدولة الديمقراطية، كما أراد أن يوحي في أول عموده وهو ينتقد “دولة المكونات”، بل هو يقدم رؤية ناجزة، وتصوراً مستقراً، لشكل البلاد القادم، وهو شكل علينا منذ الآن أن نأسف عليه، ونأسف على سنوات من نضال أجيال من العراقيين الذين حلموا بالتغيير من أجل الوصول إلى الدولة المدنية الحديثة، فإذا بالسيد الشبوط، وجماعته، يناضلون من أجل رسم دولة بدائية، لا تقمع فيها المكونات غير الشيعية، مثلما هو حاصل اليوم فعلاً، بل الشيعة أنفسهم إذا ما قرروا أن يغردوا خارج سرب سيدنا المختار!

الرابط الشبكي : http://www.middle-east-online.com/?id=163225