السياسة الإيرانية… متى تنتهي المراوغات؟

لم تخطئ الكثير من دول العالم حينما أعلنت صراحة أنها لا تثق في وعود الحكومات الإيرانية، فإيران في مختلف مراحل تاريخها لم تثبت غير خلافاتها المتعددة مع من حولها، ومع العالم، ومن ثم جنوحها للتفاوض، لا بنيّة الوصول لحل، وإنما لممارسة لعبة المراوغة التي التصقت بها منذ الأزل. ففي حربها الأولى مع العراق، ظلت تراوغ، حتى تمكنت من تحقيق نفوذ، زاد بعد حرب الخليج الثانية التي أطاحت بالرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، ومن ثم بدأت فصول البرنامج النووي الذي ظلت لسنوات تراوغ فيه المجتمع الدولي، غير آبهة بما أصاب الشعب الإيراني من ضرر جراء العقوبات التي فرضها هذا التراوغ المكشوف لكسب الوقت.

ورغم أن عدداً كبيراً من شعبها يعيش أحوالا معيشية صعبة، إلا أن الحكومات الإيرانية المتعاقبة، ظلت تدعم المدّ الشيعي، وتثير القلاقل والفتن هنا وهناك على مختلف خريطة العالم الإسلامي، في مخطط غريب التفاصيل لا يمكن قراءته بغير تحقيق أجندة أطماع بعض الدول الكبرى في المنطقة، مقابل تحقيق حلمها الأزلي المتمثل في إنشاء الإمبراطورية الفارسية المتوافقة مع دولة الخلافة “الإخوانية”، وأن تفوز بمنصب شرطي منطقة الخليج.
الحديث عن المراوغات الإيرانية السابقة لا تسعه السطور، ويكفي الرجوع لأي موقف خلافي من مواقف الحكومات الإيرانية الخلافية التي لا تحصى ولا تعد، ليكتشف المرء ببساطة لماذا أعلنت العديد من دول العالم عدم ثقتها في الحكومات الإيرانية المتعاقبة، التي يختلف فيها الأشخاص، ولا تختلف السياسة والتوجهات والأفعال!
آخر تلك المراوغات الإيرانية تمثّلت فيما يخصّ الجزر الإماراتية الثلاث التي احتلتها إيران قبل إعلان اتحاد الإمارات بأقل من اثنتين وسبعين ساعة كأسلوب أخير لمنع توقيع وثيقة الاتحاد الذي اعترضت عليه وحاولت عرقلته، ولم تبتلع الإمارات التي كانت في بداية تشكّلها الطعم الإيراني الذي حاول جرّها مباشرة للحرب، وإنهاكها لإفشال التجربة في مهدها، ولكنها عوضاً عن ذلك انتهجت الأسلوب السلمي في هذه القضية، وتحمّلت مراوغات الحكومات الإيرانية المتعاقبة، والتي وصل الغرور ببعضها للدرجة التي قضت فيها بتحريم التفاوض حول الجزر، التي دأبت على الادّعاء بأنها تتبع إيران، رغم مراوغتها، وعدم تمكّنها من إبراز أيّ مستند يثبت أن هذه الجزر آلت إليها بطريقة أو بأخرى، ما اضطرّ الإمارات التي تحمل مستندات واضحة، للجوء إلى محكمة العدل الدولية كجهة قضائية محايدة.
وظلّت إيران تراوغ في قبولها التحكيم الدولي، وظلّت الإمارات تتحلّى بالسياسة الصبورة المدركة بأن خاتمة المطاف ستكون في عودة الجزر لأصحابها الحقيقيين، ولكي تفكّ إيران عزلتها الدولية، سرّبت لبعض المنابر الإعلامية عن وزير خارجيتها قوله خلال مؤتمر صحفي مع نظيره الكويتي الشيخ صباح الخالد الحمد الصباح، بأن طهران مستعدة للتحادث بخصوص جزيرة أبوموسى، ما يوحي بأن الحكومة الإيرانية عادت أخيراً إلى الحكمة في حل القضية بالتفاوض. ورغم أن الإمارات تدرك طبيعة نوايا الحكومات الإيرانية المتعاقبة، إلا أنها آثرت أن تمنح هذه الحكومة آخر فرصة، علّها تفي هذه المرة بوعدها، ولعلّ ما أُشيع عن اعتدال رئيسها الجديد، وبناء على حاجة إيران للتعايش السلمي مع دول المنطقة، أن تصدق هذه المرة في وعودها، خاصة أن إيران كانت قد أبدت مؤشرات إيجابية في الفترة الأخيرة، فقد قامت مؤخرا بنقل 10 طائرات SU-25 Frogfoot العسكرية من جزيرة أبوموسى، كما قامت في خطوة مفاجئة بتشكيل لجنة لحل مشكلة (شركة الهلال للغاز)، وهي شركة خاصة في الشارقة كانت قد أبرمت عام 2001 عقداً قانونياً سليماً مع شركة النفط الإيرانية لشراء الغاز الإيراني، ولكن ما أن ارتفع سعر الغاز بعد فترة وجيزة من توقيع العقد، وحتى تتملّص الحكومة الإيرانية من العقد المبرم، قامت بإيقاف سريان العقد من طرف واحد، بحجة أن القانون الإيراني لا يجيز للحكومة أن تتعامل مع شركات خاصة، ولكنها من الممكن أن تتعامل مع حكومات، ودون أن تفسّر لماذا قبلت منذ البداية التعاقد مع شركة “الهلال” طالما القانون الإيراني لا يجيز؟! والآن ودونما أدنى تفسير، تم تشكيل لجنة لحل المشكلة، وهو ما يدعو للتساؤل، هل تغيّر القانون الإيراني؟ أم أن القرار كان خطأً من الأساس، أم أن الحكومة الجديدة لا تحفل بالقانون، ومهما يكن السبب، فإن تشكيل هذه اللجنة من جانب الحكومة الإيرانية، اعتبره المراقبون مؤشراً إيجابياً، وكذلك موافقة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، على زيارة طهران، غير أن الطبع دائماً يغلب التطبع، فبذات الفجائية غير المبررة، والمعهودة في تصرفات الحكومات الإيرانية المختلفة، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الإيرانية: “إن مسألة سيادة إيران على جزر أبو موسى، وطنب الكبرى والصغرى أبدية وغير قابلة للتفاوض”، على حدّ قولها، وهو تصريح غريب التوقيت، خاصة أن وسائل الإعلام لا زالت تتناول تصريحات وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف الذي زار الكويت، وعُمان، وقطر والإمارات، وقال عن تلك الزيارة إنها “شكلت نقطة انطلاق لجولة جديدة في تعاون إيران مع بلدان المنطقة.”، أما بخصوص تصريحاته التي رشحت خلال مؤتمره الصحفي مع وزير الخارجية الكويتي بالكويت عن الجزر الثلاث، فقد حاولت المتحدثة باسم خارجية إيران المراوغة حولها حينما قالت للصحفيين “إن تعليقات الوزير فسرت خطأ”، وتأكيداً لسياسة التراوغ، قالت المتحدثة “إن إيران تؤمن بأن إجراء محادثات ثنائية مع حكومة الإمارات أفضل طريقة لحل أي سوء تفاهم بخصوص الجزر الثلاث، فقد أكدنا دائماً أن مسألة سيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية على طنب الصغرى، وطنب الكبرى وأبو موسى لا يمكن أن تكون موضوع مفاوضات إيرانية- إماراتية”، فعلى ماذا يكون الحوار إذا كان هذا المفهوم المتناقض ورد في تصريح رسمي واحد، وهو تأكيد على ضعف حجة إيران ومراوغتها لتتمكن من كسب الوقت لعرقلة مثولها أمام التحكيم الدولي الذي اقترب أجله.
ولعل من أهم مؤشرات التراوغ الإيراني، ورغم ما فعله من خطوات خادعة كسحب الطائرات العسكرية من جزيرة أبوموسى، وتشكيل اللجنة الخاصة بشركة الهلال للغاز، وتصريحات وزير خارجيته التي أشارت لرغبة التفاوض، إلا أن التقلبات المعهودة في السياسة الإيرانية أبت إلا أن تكون حاضرة في تصريحات المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية التي قالت “إيران تعتبر دائما هذه الجزر الثلاث جزءاً لا يتجزأ من ترابها وأن أي نوع من اختلاق الأخبار بخصوص مفاوضات إيرانية- إماراتية حول السيادة على تلك الجزر الثلاث فهو لا أساس له نهائياً، ومحض أكاذيب، ونحن ننفيها نفياً قاطعاً”
ومن أهم ما يمكن قراءته من تلك التصريحات قولها “بما أن إيران بلد مهم ومؤثر في المنطقة، نعتقد أنه علينا أن نتصرف كحامل لواء الأمن فيها، ولهذا الغرض، فإن خلق تعاون إقليمي أمر ذو أهمية كبرى بالنسبة لنا”.
وهو ما يفسر سرّ المراوغة التي تتوهم فيها الحكومات الإيرانية، إمكانية أن تجعل من بلادها شرطياً آمراً وناهياً في المنطقة .

الرابط الشبكي : http://www.elaph.com