ابتسامة طهران بين الأقوال والأفعال

ابتسامة طهران بين الأقوال والأفعال

 

ليس من المنطق قراءة زيارة روحاني الى أمريكا من زاوية ثنائية إيرانية أمريكية هدفها إيصال رسالة  الى الغرب من رجلٍ يريد أن يسحب إيران من الجمود بابتسامته المعهودة، بل من الضروري قراءتها في مثلّث من العلاقات التاريخية الأمريكية -”الإسرائيلية”- الإيرانيّة المشحونة بالألغاز بسلبياتها الكثيرة وإيجابيّاتها القليلة . قراءة توصل الى حدود ملامسة الحقائق في الكتابة والتفكير أحياناً أو نحو الشطط أحياناً كثيرة . هذا ينطبق على معظم التحليلات والآراء التي انجذبت بالانعطافة الإيرانية في قمّة العاصفة . فالتوتّرات والمتناقضات التي أفرزتها موضة “الثورات العربيّة” في تغيير ثيابها المحشوّة بالخيبة والدماء حوّلت الصراعات الدبلوماسيّة أو الباردة إلى صراعات ساخنة توسّعت آفاقها ومخاطرها في سوريّا ومنها نحو تلفّظ العالم بالأمن القومي عندما تهددت “إسرائيل” فعلياً . وتاه الفكر السياسي المقارن بين إيران و”إسرائيل” عن فهم تفاصيل الفصل في العلاقات بين بلدين يتشابهان في أمور كثيرة أوّلها كره العرب تاريخياً والغموض المستجد في طبيعة أو منظومة الحكم في البلدين والغموض النووي وتوازن الرعب والتهديدات المتبادلة بما يظهرهما بلدين يفترقان كثيراً بالمعنى الإيديولوجي، لكنهما يلتقيان كثيراً في أمور كثيرة  وفي سياسة المكايدة والتنافس والغيرة الغامضة لمدّ الجسور نحو الدولة العظمى، على الأقلّ بالمعنى التاريخي الذي سبق الثورة الإيرانية . عمره لم يكن هذا المثلّث متساوي الضلعين تجاه أمريكا إلاّ في الحالات والظروف المصلحية التي كانت تفترض تحالفهما السرّي بوجه الضلع الدولي في مسائل شديدة التعقيد في الشرق الأوسط وفلسطين .

قد تخف المفاجأة عند التمعّن في مظهر الرئيس الإيراني حسن روحاني (مواليد 1948 تاريخ نكبة فلسطين) ومؤلّفاته العشرين، فنقارب بأكاديمية صارمة تلك “الهجمة” الدبلوماسيّة الباهرة يخطوها نحو منبر الأمم، تراكمت تصاعدياً منذ انتخابه حتّى تسلّمه الحكم في مطلع أغسطس/آب الماضي، لكنّها تدمغ الأوراق مؤشّرات واقعية لتحوّلات إيرانيّة فرضتها الضغوطات الهائلة والتوتّرات بين بلدين حليفين تاريخيّاً استحكمت العداوة في ما بينهما منذ العام ،1979 كما بعلامات الاستفهام الكثيرة . في المظهر أوّلاً، كان لقائي اليتيم العابر بروحاني، بلحيته السوداء وبسمته التي تتقدّمه، يصلّي خلف الإمام الخميني في العام المذكور في “النوفل لو شاتو” قرب باريس . كان لا بدّ من الانتظار وطرح فيض من الأسئلة بهدف فكّ بعض الألغاز التي جعلت الخميني يهبط يومذاك بعد لأيٍ في باريس . وفي المظهر ثانياً، كان لا بدّ من الانتظار 33 عاماً: البسمة القانونية هي ذاتها لكنّ اللحية اكتست بوقار السلطة والأسرار خصوصاً ما بين 6 أكتوبر/تشرين الأوّل 2003 و15 أغسطس/آب 2013 عندما كان روحاني القانوني كبير المفاوضين النوويين يتنقّل ببسمته المحبّبة بين مفاوضيه، وجاءت ثمرة تلك المرحلة كتابه بالفارسية: “الأمن القومي والدبلوماسية النووية” في 2011 . وأغلب ظنّي أنّ أفصح كتاب يوضح نظرياً المرونة والوسطية عنوانه: “المرونة في شرائع القانون الإسلامي”، الصادر في1996 باللغة الإنجليزية The flexibility shariah Islamic law .

صحيح أنّ الهامش الشخصي في الحكم قد يغيب عن التحليل السياسي العربي، ويتقدّم في الغرب كنافذة ضرورية تساعد على فهم طبيعة الحاكم والحكم، لكنّ الصحيح أيضاً أنّ هامش الليونة التي يبديها روحاني استدعت وتستدعي حسابات صعبة للغاية في البيت الأبيض كونه هبط لافتاً بالتركيز على الحوار البنّاء وفق مجموعة من العناوين تمسح مرحلة محمود نجاد العسيرة التي كان يمكن قراءتها محفورة في صفحته . أوّل العناوين: روحاني يرفض الحرب مع أيّ بلدٍ آخر، وثانيها تكفّله بتسهيل الحوار بين النظام السوري والمعارضة بعدما “استغرق المتطرفون في التدمير في بلدان الشرق الأوسط بعد 12 عاماً على مأساة هجمات أيلول 2001”، وثالثها الدعوة الى مناقشة الملفّات المعقّدة مثل الإرهاب والتطرّف والتدخلات العسكرية الأجنبية والاتجار بالمخدّرات والجرائم المعلوماتية، والملفّ النووي على قاعدة الإعلان بأنّ إيران لن تصل قطعاً الى القنبلة النووية بعد مناقشات استهلكت عقداً من الزمن الجهود الدبلوماسية والمفاوضات . فالمناقشات تفشل إن تركّزت على ما لا نرغب به وقد تنجح في حال التعبير عمّا نرغب به من دون مواربة، ورابعها، وهو الأهمّ عدم تشكيكه بالمحارق اليهودية، واعتباره “إسرائيل” دولة محتلّة تمارس الظلم والاضطهاد منذ ،1948 وبسياساتها العدوانية والاستيطانية ترسّخ مناخ عدم الاستقرار في المنطقة . لماذا الأهميّة في الموضوع “الإسرائيلي”؟ اتّكأ روحاني على منبر الأمم المتّحدة مسنوداً الى مرونة إيرانية لا إلى كونه “سياسياً وليس مؤرّخاً” غامزاً من عدائية سلفه نجاد الذي رفع لهيب النيران الخفيفة بين إيران و”إسرائيل” إلى درجة الغليان والحرائق الخطيرة عندما اعتبر في أكتوبر/تشرين الأوّل 2005 أنّه “يجب أزالة “إسرائيل” التي تحتلّ القدس من صفحات التاريخ”، واصماً محرقة اليهود بالخرافة، ممّا حدا بشيمون بيريز لوصفه “الرئيس الذي يمثّل الطبعة الفارسية لهتلر” .

تبدو “إسرائيل” متوتّرة تجاه هذا التقارب الإيراني من أمريكا، وتركيّا يساورها القلق الشديد في انكفائها المتعثّر، في الوقت الذي تتجدّد فيه الشكوك الغربيّة و”الإسرائيلية” وتجتهد لتفريغ هذه العناوين من مضامينها في الشكل والمضمون . أنصار “إسرائيل”، وأنشطة “الإيباك” في الولايات المتّحدة الأمريكية ومعظم التحليلات الإعلامية تشكّك بقدرة حسن روحاني على تحقيق هذه العناوين لأنّه ليس الحاكم الفعلي لطهران، بل جزء من منظومة شديدة التعقيد، وما يحصل هو نوع من خطف الوقت ومطّه، مع أنّ روحاني، بعد أن عيّن سيّدة ناطقة بلسان الخارجية الإيرانية، ولهذا رمزيته، فلش نصّه المشغول في صحيفتي “الإندبندنت” و”الواشنطن بوست” مثل سجادته المشغولة بمرونة نحو الغرب بقيت وستبقى مثار تشكيك الكثير من الدول الغربية والعربية مع أنّ المرشد الأعلى استقبل بعض قياديي الحرس الثوري وأعلن أمامهم بأنّ “المرونة مفيدة وضرورية أحياناً” .

لم تخرج إيران من تاريخها ولا من الإيديولوجيا الدينية قطعاً، وهي تحسن تقديم مرونتها لتطويق المعطيات الجيوستراتيجية الجديدة، بعدما تغيّر العالم فعلاً وأصبح ساحةً متعدّدة القوى، وبات التساكن بين التعاون والتنافس ضرورياً في المثلّث إيّاه . تحاصر المرونة الإيرانية علامات الاستفهام العربية والغربية التي لا تنتهي . والسبب أنّ الغرب الأمريكي و”الإسرائيلي” يستعيد مقولة الثمانينات: “عندما دعا القادة الإيرانيون الى تدمير “إسرائيل”، كانت “إسرائيل” واللوبي المؤيّد لها في واشنطن يحاولان التأثير في الولايات المتحدة وحملها على عدم الالتفات الى الخطاب الإيراني . . . ولقد جعلت إيران من نفسها الأكثر مجاهرة بدعم القضية الفلسطينية لكن نادراً ما قرنت الأقوال بالأفعال” . تلك مقولة تتغاضى عمّا حصل بين لبنان و”إسرائيل” في 2000 و،2006 ولا تتطرّق الى سعي “إسرائيل” التاريخي لإجهاض أي حوارٍ أمريكي – إيراني مخافة أن تتغاضى أمريكا عن مصالح “إسرائيل” في المشهد المقبل . ولغاية اليوم لا تزال تلك المعادلة قائمة تنطبق على إيران كما على أيّ بلد آخر في المنطقة .

الرابط الشبكي : http://www.alkhaleej.ae/portal/4585579d-b1ad-4a9a-9b83-3b5cf0574d78.aspx