إستراتيجية الاستخبارات القوميّة لأميركا

قراءة علي حسين باكير
تعد سياسة إصدار وثيقة “إستراتيجية الاستخبارات القومية الأمريكية” (The National Intelligence Strategy) حديثة مقارنة بوثائق أخرى دأبت الإدارة الأمريكية ومؤسسات الولايات المتّحدة الرسمية على نشرها بشكل دوري. ولعل الولايات المتّحدة هي البلد الوحيد الذي يقوم بنشر إستراتيجية ما يسميه “المجتمع الاستخباراتي”(1) (Intelligence Community) الذي يحظى بأهمية قصوى نظرا لدوره في تزويد الرئيس ومجلس الأمن القومي بالمعلومات الضرورية المهمة التي تمكّنهم من صياغة سياسات أو اتخاذ قرارات حاسمة على الصعيد السياسي والاقتصادي والعسكري بما يؤمن حماية المصالح الأمريكية والأمن القومي للبلاد، ولعلّ هذا ما يفسر حجم الأرقام الضخمة للموازنة المخصصة لبرنامج الاستخبارات القومية (NIP) والتي بلغت للعام 2009 وفقا لبيان مكتب مدير الاستخبارات القوميّة الصادر بتاريخ 30 أكتوبر/تشرين أول 2009، ما مجموعه 49.8 مليار دولار(2).

وتعود دوافع إصدار “إستراتيجية الاستخبارات القومية الأمريكية” (NIS) إلى “إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي” الصادرة في عام 2002 والتي أرست قاعدة “الحرب الوقائية آنذاك”، موصية في نفس الوقت بضرورة تأقلم الاستخبارات القومية مع التحديات الجديدة التي تفرضها مرحلة ما بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001.
وتنفيذا لهذه التوصيات، صدرت النسخة الأولى من الوثيقة في عام 2005 في عهد جورج بوش الابن، ثم أصدر مكتب مدير الاستخبارات القومية في الولايات المتحدة الأمريكية في شهر أغسطس/آب الماضي، النسخة الثانية(3) من الوثيقة التي أتيحت للعلن في 15 سبتمبر/أيلول 2009، والتي هي موضوع المعالجة في هذا التقرير، حيث سيتم التركيز من خلال تناول هذه الوثيقة (NIS) على أربعة أمور:

ملاحظة مدى التغير الحاصل في مضمونها لاسيما مع تسلّم أوباما سدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية.
التعرف على التحديات الدولية التي يواجهها الأمن القومي الأمريكي حاليا من خلال المنظور الاستخباراتي الخاص إضافة إلى المخاوف التي يثيرها.
تحديد الأهداف والمهمّات التي يسعى المجتمع الاستخباراتي الأمريكي إلى تحقيقها وفق ما هو وارد في الوثيقة.
الإحاطة بأدوات المجتمع الاستخباراتي لتنفيذ المهام والمشاريع المتعلقة به والاستفادة منها.
الملاحظات الأولية على مضمون الوثيقة
البيئة الإستراتيجية
أهداف المُهمّات
أهداف المشاريع

الملاحظات الأولية على مضمون الوثيقة

تتألف وثيقة (NIS) من 24 صفحة وتعدّ خطة لتطوير عمل الاستخبارات القومية الأمريكية بما يتناسب مع الظروف الدولية الراهنة، وهي تتناول بشكل رئيسي المخاطر والتحدّيات التي تفرض نفسها على الأمن القومي الأمريكي وعلى مؤسسات المجتمع الاستخباراتي (IC) في البلاد وتتمثّل في عدد من العناصر غير التقليدية.

كما وتضيء الوثيقة على الخطوط العريضة لعمل المجتمع الاستخباراتي والمتمثلة بأربعة عناصر أساسية هي: تمكين سياسات الأمن القومي العقلانية، دعم عمليات الأمن القومي، تقديم أعلى القدرات الممكنة، والعمل كفريق واحد.

ويستطيع المتصفح للوثيقة أن يلاحظ أنها تأتي متوافقة من ناحية الشكل مع نهج الرئيس أوباما ورؤيته للـ”تغيير” الذي حمله شعاره الانتخابي عند وصوله إلى سدّة الرئاسة والحكم. والمدقق في هذه الوثيقة إضافة إلى المتابع الدائم للوثائق السابقة سواءً فيما يتعلق بالاستخبارات القومية أو الأمن القومي يستطيع أن يلاحظ عند المقارنة وجود تغييرات قد لا يلاحظها المتتبع العادي، ومن التغييرات المثيرة للاهتمام على سبيل المثال والواردة في هذه الوثيقة:

الانتقال من منطق “الحاجة إلى المعرفة”، إلى منطق “الحاجة إلى مشاركة الآخرين في المعرفة”. بمعنى آخر، الاعتراف بعدم القدرة على مواجهة التحديات بشكل منفرد، وبالتالي الضرورة إلى بناء تعاون وتفاهم مع الآخرين والاعتماد على قدراتهم أيضا وعلى تنسيق العمل معهم في مواجهة الصعوبات والمشاكل ذات الاهتمام المشترك.

الابتعاد عن المصطلحات التي يتم ربطها عادة في الحديث عن الحرب على “الإرهاب” بالإسلام وهو الأمر الذي كان سائدا بصورة واضحة في عهد بوش الابن، والاستعاضة عنها بمصطلحات ذات دلالة أخرى مثل “جماعات التطرّف العنفيّة” وهي من ناحية الشكل لا تعطي انطباعا أنّ المقصود دين معين أو جماعة معيّنة، وإن ذكرت الوثيقة القاعدة بالاسم إضافة إلى منظمات الإجرام الدولي وتُجار المخدرات.

الاهتمام بأمن شبكة الانترنت أو بـ”الأمن الانترنتي” إن صح التعبير (Cyber Security). ويبدو أن الولايات المتّحدة بدأت منذ عقد تقريبا إيلاء هذه المسالة المزيد من الاهتمام ولاسيما بعد هجمات 11 أيلول نظرا لقدرة “المجموعات العنفية” أو “مجموعات الجريمة المنظّمة العالمية” على توظيف الانترنت بطريقة تضر بالمصالح الأمريكية إضافة إلى قدرة بعض الدول -ولعل الصين أهمها وفق ما تذكره العديد من التقارير الحديثة- على توظيف الإنترنت مستقبلا لشن حرب إلكترونية باستطاعتها دفع النظام المالي والاقتصادي وحتى النظام العسكري إلى الانهيار في الولايات المتّحدة الأمريكية.

التركيز على ضرورة تغيير مفهوم الاستخبارات ورؤيتها للأحداث في العالم إضافة إلى طرق ووسائل وأدوات عملها، بما يتناسب مع الحقبة الحالية التي تختلف عن تلك التي كانت فيها المؤسسات الاستخباراتية الأمريكية فاعلة إبان الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي.

تسليط الضوء على دخول لاعبين جدد على مشهد الساحة الدولية من شأنهم تهديد أمن الولايات المتحدة، بما يعد اعترافا بواقع العلاقات الدولية التي تغيرت اليوم مع بروز دور للفاعلين غير الحكوميين (Non-State Actors) أو للمخاطر التي تتركها الحالة غير المستقرة لما يصطلح على تسميته الدولة الفاشلة (Failed States).

التركيز على ضرورة توظيف العنصر البشري الكفوء والمتقدم والمميز وتطوير المهارات الثقافية والاقتصادية والسياسية بما يعني اعترافا بعدم قدرة الجانب التكنولوجي على تغطية الثغرة البشرية التي حصلت، بعدما ظنّ كثيرون أنّ التكنولوجيا ستحل مكان العنصر البشري، وستؤدي مهامه بشكل أفضل وأكثر كفاءة.
البيئة الإستراتيجية

ويلفت القسم الأول من التقرير إلى أنّ الولايات المتحدة تواجه تغييرات معقدة ومتسارعة في بيئة الأمن القومي من خلال التحدي الذي تفرضه بعض الدول والفاعلين غير الحكوميين، إضافة إلى اتجاهات عالمية أخرى تعمل على منافستها وتتحدى مصالحها القومية.

أولا: فيما يتعلّق بالدول
هناك عدد من الدول التي تمتلك القدرة على تحدّي المصالح الأمريكية سواءً بطرق تقليدية أو بطرق غير تقليدية، ومنها:

إيران: وتفرض مجموعة من التحديات على الأهداف الأمنيّة للولايات المتّحدة في منطقة الشرق الأوسط وما وراءها بسبب برنامجها النووي والصاروخي، وبسبب دعمها للإرهاب والمساعدات التي تقدمها لخصوم الولايات المتّحدة وحلفائها.

كوريا الشمالية: وهي تستمر في تهديد الأمن والاستقرار في شرق آسيا بسبب سعيها الدائم والمتواصل للحصول على القدرات النووية والبالستيّة ونقلها لتلك القدرات إلى طرف ثالث، وبسبب سلوكها غير العقلاني أيضا وامتلاكها قدرة عسكرية تقليدية كبيرة.

الصين: وبينها وبين الولايات المتحدة العديد من المصالح المشتركة، لكن ديبلوماسيتها التي تركز بشكل مكثّف على الموارد الطبيعية إضافة إلى عملية تحديث قواتها العسكرية هي من بين العوامل التي تجعلها تحدّيا عالميا معقدّا.

روسيا: وهي شريكة للولايات المتّحدة في عدد من المبادرات المهمة مثل حماية المواد الانشطارية، ومحاربة الإرهاب النووي، لكنها قد تستمر في البحث عن إعادة تأكيد قوتها وتأثيرها بشكل من شأنه أن يعقّد المصالح الأمريكية.

في المقابل هناك العديد من الفرص للتعاون مع الدول ومنها المذكورة أعلاه في مسائل المصالح المشتركة ودعم حكم القانون، الحكم التمثيلي، الطاقة، والتجارة الحرّة.
ثانيا: فيما يتعلّق بالفاعلين غير الحكوميين
أصبحوا يشكّلون خطرا متزايدا على الأمن القومي، ومنهم:

المجموعات المتطرّفة العنفيّة: والتي تخطط لاستخدام الإرهاب، بما فيه الاستعمال المحتمل للأسلحة النووية أو المعدّات النووية إذا استطاعوا الحصول عليها لمهاجمة الولايات المتحدة الأمريكية. وتعمل هذه المجموعات في عدد من المناطق وتستنزف حكم القانون وتضعف النظام الاجتماعي وتهاجم الحلفاء الإستراتيجيين للولايات المتّحدة الأمريكية، كما وتشكّل تحديا لمصالح واشنطن حول العالم.

المتمردون: ويعملون على محاولة زعزعة استقرار الدول في المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية.

المنظمات الإجرامية العالمية: بما فيها تلك المسؤولة عن نقل المخدرات وتشكل خطرا على مصالح الولايات المتحدة عبر اختراق وإفساد الأسواق الحيوية الإستراتيجية، وعبر دورها في زعزعة استقرار بعض الدول، وتزويد المتمردين والمجرمين بالأسلحة والعملات الصعبة وكافة أشكال الدعم الأخرى.
ثالثا: فيما يتعلّق بالقوى والاتجاهات العالمية
وتفرض عدد من العوامل التي تدخل في هذا المجال ومنها الانتقال في الثقل الديموغرافي العالمي إلى الصراع على الموارد، وكلها عوامل تفرض تحديا إستراتيجيا على مصالح الولايات المتحدة، ولكنها في نفس الوقت تعمل على خلق فرص جديدة إذا ما أحسن التعامل معها. ومن هذه الاتجاهات:

الأزمة المالية العالمية: ومن شأنها أن تضعف من أمن الولايات المتحدة عبر إذكاء عدم الاستقرار السياسي، وأن تؤدي أيضا بسبب التباطؤ الاقتصادي الذي خلقته في الدول النامية إلى اضطراب وعدم استقرار سياسي واجتماعي حال استمرار التباطؤ، وإلى تآكل الدعم المتعلق بتحرير الأسواق والديموقراطية، مما قد يفسح بالمجال أمام السلطوية والاستبداد للظهور.

الدول الفاشلة: وتوفر هذه الدول إلى جانب الأماكن التي لا تخضع لسيطرة مباشرة المأوى الآمن للإرهابيين والمنظمات الإجرامية، وتوفر أيضا إمكانية حصولهم على أسلحة دمار شامل (WMD)، وممكن أن تؤدي إلى تفشي الجوع والإبادة الجماعية.

التغيّر المناخي والتنافس على الطاقة: ومن الممكن أن تترك هذه العناصر تأثيرات على مواضيع أخرى تتعلق بالأمن القومي، كانعكاسات الاحتباس الحراري العالمي والبحث عن مصادر جديدة لتأمين الطاقة.

التغيّر التكنولوجي المتسارع وانتشار المعلومات: من الممكن أن تؤدي هذه العناصر إلى تغيير القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية ومن الممكن أيضا أن تزود الخصوم والمنافسين بالوسائل المطلوبة لمنافسة الولايات المتّحدة، ولكنها توفر في نفس الوقت فرصة لأمريكا للحفاظ على تفوقها أو اكتساب فوائد تنافسية عديدة.

الأمراض الوقائية مثل إنفلونزا H1N1: يوضح شكل الخطر الذي من الممكن أن تتركه على الصحّة العالمية وعلى التجارة وعلى الوضع الاقتصادي أيضا.

أهداف المهمّات

أمّا في قسم المهمّات، فتشير الوثيقة إلى ضرورة توظيف الولايات المتّحدة للمجال الاستخباراتي في دعم عملياتها ومساعيها الديبلوماسية والعسكرية والقانونية الجارية في كثير من المناطق حول العالم وخاصّة فيما يتعلق بمجابهة عمليات التمرّد والعمليات الأمنية وعمليات فرض الاستقرار وإعادة البناء ومكافحة المخدرات وتأمين الحدود.
فالعنصر الاستخباراتي سيبقى عاملا أساسيا في عدد من القضايا لاسيما فيما يتعلّق بهزيمة طالبان في أفغانستان، وتحقيق استقرار العراق، ومحاربة كافة عمليات مجموعات الاتجار بالمخدرات حول العالم وهو الأمر الذي من شأنه أن يوسّع من مهام المجتمع الاستخباراتي الأمريكي ويفرض تحديات جمّة على قدراته وموارده وجهوده. كما وأكدت الوثيقة على ضرورة تحقيق العديد من الأهداف الأساسية ومنها:

محاربة التطرّف العنفي
ويتم ذلك عن طريق فهم ورصد وتفكيك الشبكات المتطرفة التي تستخدم العنف وتنشط في مؤامرة لإلحاق الأضرار بالولايات المتّحدة وشعبها ومصالحها وحلفائها ولاسيما القاعدة بشكل رئيسي ومناصروها والخلايا الإرهابية المحلية المنتشرة في أماكن عديدة من العالم والتي لا تزال تشكل خطرا كبيرا على الأفراد الأمريكيين وعلى المصالح الأمريكية سواءً في الداخل أو في الخارج، وهو ما يقتضي:

توفير نظام إنذار فعّال يحذّر من إمكانية وقوع هجمات إرهابية في الوقت المناسب وبشكل قادر على أن يعطي الوقت الكافي والقدرة على التحرك لصدّها.
تعطيل خطط هذه الجماعات عبر اختراقها وزعزعة المنظمات الإرهابية المتصلة بها ومتابعة الربط بين الإرهاب والنشاطات الإجرامية.
منع الإرهابيين من حيازة أو استخدام أسلحة الدمار الشامل عبر دعم جهود الولايات المتحدة التي تصب في هذا الإطار.
مكافحة الراديكالية بشكل فعّال عبر التعرّف على نشاطات الجماعات الإرهابية وتوفير الخيارات المناسبة لمواجهة التطرف والعنف.
مكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل
إذ لا يجب أن يقتصر موضوع مكافحة أسلحة الدمار الشامل على منع انتشارها وإنما على مراقبة ومنع وسائل انتقالها المختلفة من الدول إلى الفاعلين غير الحكوميين أيضا، وذلك يقتضي:

تعزيز إرادة التخلي عن أسلحة الدمار الشامل عن طريق التقليل من الاهتمام بحيازتها ومن دوافع استخدامها، عبر تعزيز الجهود التي تبذلها الولايات المتّحدة وحلفائها لتحقيق هذا الهدف.
إنشاء ودعم نظام منع الحصول على أسلحة الدمار الشامل من خلال تحفيز صناع القرار في مجال منع انتشار هكذا أسلحة، على المساهمة في الجهود المبذولة لمنع انتقال مواد أسلحة الدمار الشامل والتقنيات والتمويل والخبرات المتعلقة بها.
العمل على الحد من قدرات امتلاك أسلحة دمار شامل وتخفيض عددها أو العناصر المتعلقة بها، لاسيما تلك التي من شانها أن تثير مخاوف حقيقية.
تعزيز عنصر الردع وذلك من خلال تطوير القدرات الذاتية لفهم خطط الخصوم المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل، بالإضافة إلى نواياهم وعقيدتهم المرتبطة بها.
إدارة العواقب والنتائج الناجمة عن امتلاك أسلحة دمار شامل، عبر تعزيز جهود الولايات المتحدة الرامية إلى مواجهة آثار استخدام هكذا أسلحة وتطوير الإجراءات المضادة لاستخدامها.
توفير المعلومات الاستخباراتية الإستراتيجية
ومن المهم تحقيق هذا الهدف وتوظيفه في رسم تصوّر بالأحداث المرتقبة والتحولات الإستراتيجية الممكنة حتى يستطيع صناع القرار وواضعي السياسات والمسؤولين العسكريين والسلطات المدنية من ردع أو منع التهديدات المتوقع حدوثها، أو الرد عليها بفعالية حال حصولها والاستفادة من الفرص المتاحة، وذلك عن طريق:

توسيع الخبرات المتعلقة بهذا المجال عبر توفير نطاق أوسع وأعمق ونوعية مميزة من التحليل الاستخباراتي، خاصة فيما يرتبط بالاقتصاد والطاقة والموارد الطبيعية والتكنولوجيا غير العسكرية.
زيادة عنصر التفهّم للآخر عبر بناء فهم واسع وتعميق هذا الفهم للثقافة والسياسية والاقتصاد والدين والإثنيات والعناصر القبلية خاصة في أماكن العمليات التي تقوم بهذا الولايات المتّحدة.
تعزيز الوصول إلى مراكز المعرفة الإستراتيجية والى الخبرات الخارجية.
تحسين مستوى التعاون بين أجهزة الاستخبارات المختلفة عبر تطوير وتحديد تقنيات وقدرات جديدة ودعم ثقافة المجتمع الاستخباراتي الواسع والتحليل الاستراتيجي.
زيادة المهارات اللغوية عبر تطوير مهارات اللغة الأجنبية من الناحية الكميّة والنوعيّة مع التركيز على التأثير الذي من الممكن أن تتركه هذه العملية.
الانخراط في عمليات مكافحة التجسس
الأمر الذي يفترض ضرورة توفير القدرة اللازمة على:

الكشف عن التهديدات الداخلية والدخلاء الذين يريدون استغلال قدراتهم ومراكزهم من أجل الإضرار بمصالح الولايات المتّحدة الأمريكية.
اختراق المؤسسات الاستخباراتية الأجنبية العدائية لتحديد نواياهم وقدراتهم ونشاطاتهم.
انخراط المجتمع الاستخباراتي في نشاط الانترنت وتوظيفه بما يخدم المصالح العليا.
تأمين إيصال المعلومات اللازمة للمجتمع الاستخباراتي القومي، بما يتم استغلاله من معلومات من الاستخبارات الأجنبية.
تعزيز أمن الفضاء الانترنتي
تعتمد البنية التحتية الرقمية القومية للبلاد على الإنترنت بشكل واسع، وأصبح هناك إمكانية اليوم على أن تقوم الدول والمنظمات والكيانات غير الحكومية بسرقة أو نقل أو تغيير أو تدمير المعلومات، وهي تمتلك القدرة على أن تقلل من ثقة الأمة بالنظام المعلوماتي والأمن المعلوماتي الذي يشكّل القاعدة التي يعتمد عليها الاقتصاد الأمريكي أيضا.

وفي هذا الإطار، يلعب المجتمع الاستخباراتي دورا هاما في زيادة أمن الانترنت عبر زيادة القدرة على كشف نشاطات المنافسين، وأيضا عبر زيادة القدرة على كشف نقاط الضعف عند هؤلاء المنافسين ونواياهم.

وعليه، يجب أن يتم فهم ومراقبة ورصد ومكافحة المخاطر الانترنتية التي يفرضها الخصوم أو المنافسون، وذلك للسماح بحماية البنية التحتية المعلوماتية القومية للبلاد عبر:

تحقيق التواصل في الخبرات ذات الصلة مع المجتمع الاستخباراتي ومؤسسات الاستخبارات التابعة للحلفاء ومع المجتمع الصناعي والأكاديمي.
ترتيب الأولويات وسد الثغرات الموجودة في قاعدة قدرتنا على جمع المعلومات المتعلقة بالمخاطر وأمن الانترنت وتحليلها والاستفادة منها.
حشد المزيد من الموارد لكشف وتفكيك التهديدات الانترنتية.

أهداف المشاريع
وفيما يتعلّق بقسم المشاريع، نستطيع أن نلاحظ تأكيد الوثيقة على مدى أهمية مفهوم المشاركة سواء فيما يتعلّق بالمستوى الداخلي على صعيد أجهزة الاستخبارات المتعددة داخل الولايات المتّحدة الأمريكية، أو ما يعرف باسم المجتمع الاستخباراتي القومي، أو فيما يتعلق بالمستوى الخارجي على صعيد العلاقة بين هذه الأجهزة ونظيرتها الأجنبية، خاصة فيها يتعلّق بالمواضيع ذات البعد الخارجي الدولي مع ما يتطلبه ذلك من تعزيز لهذه العلاقة إن كانت موجودة أو إنشائها إن لم تكن، أو تفعليها في حال كانت مجمدة. وذلك بهدف الوصول الأفضل إلى مصادر المعلومات وضمان الاستخدام المناسب لمخرجاتها لتحقيق المصلحة القومية.
كما تدعو الوثيقة إلى تبني مشروع تعزيز إدارة المهمّات الاستخباراتية، وتسهيل مجال أعمال المجتمع الاستخباراتي المتعلقة بتنفيذ المهام والعمليات عبر رؤية واضحة تتضمن تنظيم العمل لمواجهة التحدّيات التي تشكّل أولوية في هذا الإطار، والتأكد من استخدام الدولارات التي يتم الحصول عليها من دافع الضرائب الأمريكي في المكان المناسب بشكل مؤثر وفعّال.

فالمجتمع الاستخباراتي يصل الى ذروة فعاليته عندما ينخرط في مجال التكامل في الجهود حول المهمات المحددة وأيضا عندما يتم سد الثغرات وفق الأولويات المطلوبة، على أن يتم تحقيق هذا الهدف عبر:

توحيد الجهود عبر العمل الجماعي للتأكيد على استخدام قدرات المجتمع الاستخباراتي كاملة في مواجهة التحديات، فالتحديات المشتركة تدفع إلى إيجاد استراتيجيات موحدة توصل إلى تحقيق انجازات ونجاحات مهمة.
التأكيد على المساءلة سواء فيما يتعلق بالأفراد أو المجموعات أو المراكز المكلّفة لانجاز المهام على المستوى الوطني.
تعزيز المرونة في العمل وطرح رؤى متعددة توفر الدعم المطلوب حالما لا يكون هناك حل واحد مناسب، وإبقاء مكتب مدير الاستخبارات القومية والأجهزة التابعة له على اطلاع دائم بالمعلومات والعمليات.
وتشير الوثيقة إلى ضرورة تحقيق عدد من المشاريع الأخرى ومنها:

تحسين طرق استخدام المعلومات
إذ يواجه مجتمع الاستخبارات نموا ضخما في نوع وحجم المعلومات والبيانات المتاحة إلى جانب الزيادة الهائلة في سرعة وقوة قدرات معالجة البيانات، مما يزيد من حجم التهديدات والمخاطر على الشبكات الخاصة بالولايات المتحدة وسلامة المعلومات الموجودة، وذلك يوجب:

توفير البيئة المناسبة والفعاّلة التي يمكن الاعتماد عليها في توفير المعلومات للمجتمع الاستخباراتي وعملائه.
عقلنة الحلول وجعلها أكثر واقعية.
السماح بانتقال المعلومات إلى كافة المستويات.
تطوير عملية تحليل المعلومات.
التحفيز الدائم والمستمر لموضوع أمن الانترنت.
الارتقاء بالعلوم والتكنولوجيا والبحث والتطوير
وتشير الوثيقة في هذا المجال إلى ضرورة اكتشاف وتطوير وتوظيف العلوم والتكنولوجيا والبحث والتطوير في عمليات المجتمع الاستخباراتي، سواءً للحفاظ على المستوى المحقق أو حتى الحصول على مكاسب تحافظ على تقدّمه في مجال عمله في مواجهة المنافسين والخصوم، وذلك عبر:

الانتقال إلى توظيف التكنولوجيا الحديثة.
الربط بين المجتمع الأكاديمي والصناعي والحكومي ومراكز الإبداع والتقنية في البلاد.
متابعة التوجهات المتعلقة بالتكنولوجيا الجديدة الجاري توظيفها في مجال الاستخبارات.
تطوير قوّة العمل وتعزيز المكتسبات
وتلفت الوثيقة إلى ضرورة العمل على استقطاب وتوظيف العناصر البشرية المتميزة والاهتمام بقوة العمل القادرة على الانجاز وتوفير الخبرات التقنيّة، والقيادة الاستثنائية اللازمة لمواجهة التحديات المفروضة على الأمن القومي.

إذ يعتبر العنصر البشري صلب عملية بناء المشاريع الاستخباراتية الذكية والمرنة، وكذلك لب عملية الترويج لثقافة التعاون، ولذلك يوصي التقرير بمتابعة إنشاء قوة عمل متنوعة مع فهم تقني ولوجستي وثقافي جديد، وبخبرات تكون قادرة على العمل في منظمات خارج حدودنا وتستوفي متطلبات تحقيق الأهداف المنشودة.

كما يحثّ على تطوير القدرات المستقبلية وتحسين المكتسبات الاستخباراتية فيما يتعلق بالتكلفة والأداء والتخطيط والبرامج والتنفيذ والشفافية، بينما يتم دعم الإبداع والابتكار عبر:

تطوير أخصائيين محترفين في مجال الاستحواذ وتحقيق المكتسبات.
توظيف المكتسبات بشكل فعال في العمليات الجارية.
الحرص على تحقيق التكامل عبر المكتسبات المحققة.
تمكين صناعة القرار على مستويات دنيا لتحقيق الهدف.
كما وتوصي الإستراتيجية في النهاية بالبدء بوضع النقاط التي تضمنتها موضع التنفيذ عبر إقرار مبادرات وخطط والتحضير للقدرات والمتطلبات اللازمة لتطبيقها، بما يخدم مصلحة الولايات المتّحدة ويحسّن من الأمن القومي بالتوازي مع أمن الحلفاء والأصدقاء، خاصة أنّها تعدّ خارطة طريق واضحة لمجتمع الاستخبارات القومي للتركيز على المهمّات التي يتطلبها الأمن القومي للبلاد.
_______________
باحث في العلاقات الدولية

هوامش
1- ويضم المجتمع الاستخباراتي الأمريكي 16 جهاز استخبارات محليّ.
2- انظر لحجم الموازنة المقررة للمجتمع الاستخباراتي:
(2) The National Security Strategy Of The United States Of America