أميركا وإيران.. الود المطلوب!

 

 

لا يتردد خامنئي في الحديث بلسانين متناقضين حينما يتعلق الأمر بالعلاقة مع الولايات المتحدة. هو مع جهود روحاني الديبلوماسية ويتحفظ على ‘المصافحة’ فقط لأنها لم تؤدِ الى زواج متعة بين طهران وواشنطن.  لم تمض سوى أيام على المكالمة التاريخية التي أجراها الرئيس الأميركي بارك أوباما بالرئيس الايراني حسن روحاني، حتى عادت لهجة التشدد تظهر من جديد في الخطاب الرسمي لإيران متمثلاً بالمرشد الأعلى للجمهورية الاسلامية السيد علي خامنئي الذي أعلن وهو يناقض نفسه “دعمه جهود إيران الدبلوماسية في الجمعية العامة للأمم المتحدة”، إلا أنه أضاف أن بعض ما حدث هناك “لم يكن ملائما”.

خامنئي قال: “ندعم تحركات الحكومة الدبلوماسية ونعطي أهمية للجهود الدبلوماسية ونساند ما تم في هذه الرحلة.” لكنه نسي أو تناسى أن بعض ما حدث في رحلة نيويورك الذي قال عنه خامنئي أنه “لم يكن ملائما”، هو في متن التحركات الديبلوماسية وهي بالطبع كثيرة منها الابتسامة والمصافحة وتجاذب أطراف الحديث على طاولة واحدة.

خامنئي الذي منح الرئيس روحاني الضوء الأخضر قبل ذهابه الى نيويورك، ليفعل مايشاء، من إجل إنقاذ إيران من ورطة “العقوبات” الأميركية والأوروبية، وأربعة قرارات صدرت عن مجلس الأمن الدولي بسبب سياسات محمود أحمدي نجاد، هو نفسه الذي تحدث عن “ديبلوماسية المرونة البطولية” وهي ترجمة حرفية لمقولته المعروفة “نرمش قهرمانانه” وهي ليست الا “ديبلوماسية القوة المرنة” كما يحلو لأتباعه في الحرس الثوري وصفها، وهم يعلنون، كما فعل خامنئي نفسه، دعهم لروحاني الغارق في وحل العقوبات التي أغرق أحمدي نجاد، الايرانيين بها.

طيب: ماذا حدا مما بدا؟

وهل يمكن اعتبار تصريح خامنئي هذا اغلاق الأبواب بوجه روحاني في شأن محاولاته الجدية نحو إزالة التوتر في علاقات بلاده غير الطبيعية والمقطوعة منذ أبريل نيسان 1980 مع أميركا؟

قبل الانتخابات الرئاسية الأخيرة في يونيو/حزيران المنصرم، كان خامنئي المسكون برعب “فتنة انتخابات 2008″، حريصاً جداً على أن لا تتكرر تلك “الفتنة” التي تضج مضجعه وتؤرقه دائماً ومزقت نسيج الجمهورية الاسلامية، وشككت في مشروعية نظامها القائم أساساً على الاستفتاء على شكل النظام بنعم أولا في العام 1980 وانتخابات تحولت تدريجياً بوجود سلطة مجلس صيانة الدستور القهرية المطلقة، الى “اختيارات”، ولهذا فان خامنئي أظهر في تلك الأيام قبل الثاني عشر من يونيو المزيد من المرونة الى حد “استجداء” الايرانيين الذين لا يؤمنون بشكل النظام، لكي يتوجهوا الى صناديق الاقتراع والتصويت حتى لو ببطاقة اقتراع فارغة، لأنه يعتقد أن نتيجة الانتخابات مهما كانت، فهي تصب لصالحه ولصالح شكل النظام الذي لم يتبق منه الا اسمه ورسمه على حد تعبير معظم قادة الإصلاح!..

خامنئي كان هو السبب في كل ذلك وفي مغادرة مئات الصحفيين والطلاب وغيرهم بلادهم وامتلاء السجون بالمحتجين، بتأييده اللامحدود لنتائج انتخابات 2009 المزورة (حتى قبل البت فيها من قبل مجلس صيانة الدستور) والتي أشرف عليها رئيس لجنة الانتخابات آنذاك كامران دانشجو (الذي زور شهادته الأكاديمية وغيّر دينه وتعمد في كنيسة بمدينة فولوس اليونانية بسب فتاة وقد أثبتتُ ذلك بفيلم وثائقي) ولم يعد جديرا بالثقة ليشرف على تلك الانتخابات التي أعدم بعض الذين شاركوا في الاحتجاج على نتائجها، بتهمة “الردة ومحاربة الله والرسول!”

خامنئي هذا هو نفسه أيضاً الذي كان وراء منع رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني بعد تقليم أظافره بعزله عن رئاسة مجلس الخبراء والتخلص من “شبح” تنصيبه مرشداً ولياً فقيهاً من قبل رفسنجاني نفسه، وبعد محاولات اغتياله السياسية الكثيرة التي قادها أحمدي نجاد وبطانة “الحجتية” المنتشرين في القضاء والإعلام وفي البرلمان وباقي مراكز السلطة والنفوذ وكان منها اعتقال نجله مهدي وابنته فائزة. لكن خامنئي الذي لم يكن يحسن فن الصراع كما يحسنه رفسنجاني، سمح لروحاني بالترشيح للانتخابات في سناريو كان رسمه رفسنجاني الذي خطط للأمر بدهاء عندما دفع بروحاني للترشيح كـ”كومبارس” يمكن أن ينسحب في أي لحظة لصالحه لو سمح له بخوض تلك الانتخابات.

ولكن وبعد منع رفسنجاني من خوض سباق “الاختيارات” وهي انتخابات محددة بشروط نظام ولاية الفقيه وبهيمنة مجلس صيانة الدستور، لم يعد بالإمكان منع روحاني الذي حصد نتائج الجولة الأولى لصالحه بموافقة خامنئي الذي لديه ما يكفيه من أزمات داخلية وعقوبات وأزمات خارجية لا يخرجه منها الا إظهار “المرونة البطولية” أي الانسحاب وتقديم تنازلات، فيما هو يحافظ على ماء وجهه مظهراً “ديبلوماسية القوة المرنة” وهو ما دأب عليه بعد كل محاولة لايجاد اختراق حقيقي في العلاقات الايرانية الأميركية.

خامنئي يدرك جيداً أن ديبلوماسية روحاني الناعمة هي الوحيدة الكفيلة بحل أزمة الملف النووي والعقوبات التي ترتبت عليها، وإخراج إيران باحترام من الورطة الكبيرة في سوريا التي تكلف النظام ثمناً باهظاً وتكاليف أخرى ليست في الحسبان سواء في العراق أو في لبنان وحتى في آفغانستان وداخل إيران نفسها، وهو إذاً يتفهم جيداً أن ذلك لن يتحقق الا بالمفاوضات، وأن المكالمة الهاتفية ليست الا واحدة من أساليب التفاوض التي لا تختلف كثيراً الا في مستوى التبادل الديبلوماسي، عن تبادل رسائل نقلها وسطاء منهم سلطان عُمان ومبعوثون من اليابان وسويسرا، والأميركي جيفري فيلتمان.

كما يتذكر خامنئي أنه هو أيضاً تبادل مع أوباما رسائل في وقت ربما “لم يكن ملائماً” بما يؤكد أن مرشد الجمهورية الاسلامية ينطبق عليه المثل المعروف “مشتهية ومستحية”، فهو مع جهود الرئيس الديبلوماسية ويتحفظ على “المصافحة” فقط لأنها لم تؤدِ (حتى الآن) الى زواج متعة بين طهران وواشنطن، بسبب المتطرفين في إسرائيل والكونغرس، وهذا طبعاً أشار له خامنئي بوضوح عندما ربط بين التصعيد في لهجته بأنه لا يثق بأميركا، والتهديدات الإسرائيلية بعد لقاء أوباما نتانياهو عندما توعد خامنئي برد “قاس” من جانب ايران بعد التهديدات التي وجهتها اسرائيل بالتحرك منفردة ضد ايران لمنعها من التزود بسلاح نووي كان هو نفى مراراً الجانب العسكري في برنامج بلاده النووي وأكد قبل توجه روحاني الى نيويورك الاستعداد للتوصل الى اتفاق مع الغرب بشأنه.

إنه تصعيد مقابل تصعيد خصوصاً تصريحات أوباما بعد لقائه نتانياهو التي اعتبرها الإيرانيون إهانة لهم. فالود بين طهران وواشنطن مطلوب… حتى من خامنئي!

الرابط الشبكي : http://www.middle-east-online.com/?id=163480