أكذوبة العلاقات العربية – الإيرانية

د-نبيل العتوم                                              

   في ظل الظروف القاسية التي يمرّ بها العالم العربي  من أزمات وحروب طاحنة، باتت تستنزف قدراته وموارده بلا هوادة، لا بدّ من الكشف عن الدور الذي تضطلع به (إيران  اليوم)، والخطط التي تتبناها لتفتيت المنطقة، والهيمنة عليها  بدم الأبرياء من أبناء الأمة  بعد أن استلت سيف الشر لتذبح، وتعيث خراباً ودماراً، حيث تشهد المنطقة  العربية -ومنذ عقود  خلت – احتدامًا وصراعًا  غير مسبوق، بما تمّ تسميته بالصراع العربي – الإيراني، والذي جاء على خلفية الثورة الإيرانية،  وما عملت عليه دولة ولي الفقيه  منذ انتصار الثورة، وما مثلته إيران الشاه قبلها  من تهديد أمني واستراتيجي لمصالح واستقرار دول وشعوب العالم  العربي  وأمنها .

       لا شك بأن مجمل الحروب  والنزاعات التي جرت داخل المنطقة  سببها  الأساس هما إيران ، وإسرائيل  على حدّ سواء، اللتين باتتا سبب المصائب والويلات لهذه الأمة، وهو ما لا يروق للبعض استنتاجه ؛ خاصة دمج إسرائيل مع إيران في نفس العبارة .

       كلّ ذلك يدفعنا إلى التساؤل حول  المحطات التاريخية في العلاقات العربية – الإيرانية ؟ ومحاولة تلمس طبيعتها والعوامل والمدخلات المؤثرة فيها، وهل تشكل أرضية مشجعة لبناء علاقات بين العرب والإيرانيين ؟  ولماذا فشلت إيران منذ الدولة الفارسية ، مروراً بانضوائها تحت الحكم الإسلامي، إلى الدولة الصفوية والشاهية والثورية ” الإسلامية ” في نسج علاقات طبيعية مع العالم العربي؟ وهل تشكل التجربة التاريخية مع الإيرانيين عاملاً مشجعاً لتطوير علاقات عربية – إيرانية سوية، وطبيعية وقابلة للديمومة والنجاح ؟

       من خلال متابعتنا للعلاقات العربية الإيرانية ، لا بدّ من تحليل مسار تطور هذه العلاقات حتى يستقيمَ الأمرُ، ويصلح كأساس للبناء عليه للتفسير الدائم مستقبلاً لطبيعة  هذه العلاقات، ودعونا نسجله كنقاط واضحة وجلية؛ لنستبين كنه هذه العلاقات ومساراتها ومستقبلها .

عقدة  الفرس القديمة   من العرب :  

       إن المتتبع  لتاريخ العلاقات العربية – الفارسية يؤكد حقيقة متوافرة عبر الحقب التاريخية المختلفة، تؤيدها شواهد التاريخ وأحداثه، وهي أن هذه العلاقات اتسمت بروح العداء والعنصرية الفارسية للعرب، والنزعة التوسعية على حساب أراضيهم وبلادهم، والرغبة الشديدة التي تصل إلى حد الهوس للسيطرة عليهم وإذلالهم والانتقاص من مكانتهم ودورهم الإنساني.

      مظاهر العدوان العسكري المسلح كان السلوك الثابت للفرس تجاه العرب، ولا يزال هو العدوان العسكري المسلح.. إذ كانوا يشنون عدوانهم كلما وجدوا لديهم القدرة على فعل ذلك عسكرياً، وكلما رأوا الدولة العربية في العراق، أو الخليج العربي تعاني من الضعف.. من هنا  أصبح العدوان والتوسع أشبه ما يكون بالقانون الثابت لدى الفرس، واستقراء التاريخ في الحقب القديمة والحديثة والمعاصرة يوفر لنا الأدلة القاطعة على هذا السلوك.

عقدة المجال الحيوي للتوسع  الفارسي  نحو العرب :

     ويظهر أن عقدة الخوف من مستقبل العرب وريادتهم  استقرت في أنفسهم منذ زمن بعيد، وقد كانت فكرة الغلبة للعرب قد ترسخت في معتقداتهم منذ القدم ، لذلك يجب إضعافهم واستنزاف قدراتهم خشية من ظهورهم مجدداً .

  الدين الجديد وعقدة تقبل  الإسلام عند الفرس :

       لم يقبل الفرس العرب في القديم، فكيف يقبلون بهم بعد أن نزلت الدعوة بين ظهرانيهم، لذا نجد أن كسرى عندما أرسل له الرسول -صلى الله عليه وسلم- رسالة يدعوه فيها إلى الإسلام، استشاط غضبًا، فقد قام بتمزيق كتاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – .

     لقد أحدث الانتصار العربي الإسلامي استفزازاً لدى الفرس.

لذا فتش الفرس عن سر انتصار العرب، وحاولوا أن يفهموا كيف أن دولة العرب الفتية بإمكانياتها البسيطة استطاعت أن تسقط الدولة الفارسية .

     وقد استطاعوا تحديد ذلك بأنه العقيدة والقيادة المخلصة للدين، لذا نشطوا في ابتكار وسائل وطرق مختلفة استهدفت العقيدة والقيادة.

     كان الفتح الإسلامي لبلاد فارس له أثره العميق في النفسية والعقلية الفارسية المجوسية، والذي بدوره شكل عُقدة نفسيّة مؤلمةٍ هي ” المجدُ الخالد للفرس”. فالفرس حتى ذلك التاريخ كانوا يعتبرون أنفسهم سادة العالم.

     ارتبط في العقلية الفارسية منذ القدم الرغبة في السيطرة، بل التفرد بها، ونفوذها السياسي يسيطر على أراضي إيران، والعراق ، وشرق الخليج، وبعض غربه، واليمن .

 وقد خلق ذلك للفرس ما يمكن تسميته بالنظرة الاستعلائية على كل الشعوب بما فيهم العرب.

      والحقيقة أن الفرس ظلوا منذ اللحظة الأولى وحتى الآن يرفضون الاندماج الكامل في الهوية الإسلامية الجامعة، وسعت دولهم دائماً، ولا تزال إلى الثأر من هزيمتها التاريخية أمام العرب، ولهذا تهافتت بسرعة لتبنّي الدعوة الصفوية التي حولت إيران من دولة سنية المذهب إلى أول دولة شيعية في التاريخ الإسلامي.

 استمر السلوك العدواني وبغض النظر عن طبيعة الحكم في فارس.

عقدة الفشل العسكري الفارسي  لمواجهة الفتح الإسلامي :

        بعد أن فشلت جهود الفرس  العسكرية في التصدي للعرب المسلمين، نجد الفرس يتخذون منهجاً آخر لمقاومة الدين الجديد والقائمين على نشره من خلال ما عرف بالحركة (الشعوبية) التي تمثل واحدة من فصائل مخطط المؤامرة على الإسلام، وقد عمدت (الشعوبية) إلى مهاجمة العرب حملة لواء الإسلام  وأصحاب الدولة الإسلامية في تاريخهم وأسلوب حياتهم، ومهاجمة التاريخ الإسلامي، واللغة العربية، والطعن في أصول القيم الإسلامية وجذورها.

       كذلك عمدت (الشعوبية) إلى إذاعة المجون، والشراب، والمجاهدة بالخلاعة، والانحراف الجنسي، واعتبرت ذلك نوعًا من التحرر.

عقدة  الأدب الفارسي القديم من العرب :

        أطلق الإيرانيون من خلال صفحات كثيرة من الأدب الفارسي  أبشع  الصفات على العرب، «موبوؤن، قذرون، بشعون، وأغبياء، وجلودهم سوداء، عديمي الحضارة، يشربون بول الإبل …….. والقصد منه هو مزيد من الطعن والذم.

     لذا فإن قراءة الأدب الإيراني القديم، والذي عبّر عنه أديبهم المشهور (الفردوسي)؛ ليؤكد تأكيداً قاطعاً أن العداء للعرب مستحكم في الوجدان الفارسي عامة منذ القدم .

عقدة التمييز لمواجهة العرب : الدولة الصفوية، والتحالف مع الأعداء :

       إن المشروع الصفوي في جوهره هو مشروع قومي لا علاقة له بالدين، يهدف إعادة بناء إيران على أسس قومية فارسية تميز نفسها عن العرب، وعن الخلافة الإسلامية التي ترتكز على الإسلام  السني.

الحركة الصفوية أرست دعائم حكومتها على أساسين محكمين وهما: المذهب الشيعي والقومية الإيرانية بهدف عزل إيران عن الأمة الإسلامية وتمييزها عن العنصر العربي والخروج من إطار الهيمنة العثمانية لمنافستها في بناء إمبراطوريتها.

      لذا بعد أن تسلم الصفويون الحكم في إيران أخذت سياسة العداء والتوسع في التطبيق العملي، حيث قام إسماعيل الصفوي باحتلال بغداد سنة 1508م، لم يتوقف الأمر عند الاحتلال فقط، فلأجل المصالح السياسية، نجد الصفويين يتحالفون مع البرتغاليين  ويعقدون معهم اتفاقية عام 1515 تنص على جعل السفن البرتغالية تحت تصرف الفرس في شن هجماتهم على البحرين والقطيف،  وفي سنة 1622 قام الشاه (عباس الصفوي) بغزو العراق، وقام بأعمال تخريب وهدم، إلى جانب قتالهم ضد العثمانيين وإشغالهم سنوات عديدة عن نشر الإسلام  في  أوروبا، وتحالفاتهم الدولية المشبوهة ضد الإسلام  .

عقدة النظام الشاهي من العرب :

       منذ مجيء ” رضا شاه ” وتسلـّطه على سدّة الحكم سعى جاهداً لتحقيق الهدف؛ وهو تأسيس دولة قومية، وقد ارتكزت هذه الأيدلوجية على وحدة اللغة ( ومنع التكلم بغير الفارسية )، و وحدة الأراضي، إلى جانب بناء  أقوى جيش في المنطقة .

       حاول الشاه  التأكيد على نظرية التفوق العرقي، والجنس الآري الذي ينتمون إليه، وكان احتلال الأحواز العربية عام 1925م من جانب القوات الإيرانية يمثل التطبيق العملي لنظرية التفوق والتوسع على حساب  الجيران العرب.

        لم تكتف إيران باحتلال الأحواز، بل وضعت إستراتيجية (تفريس ) المنطقة، فبادرت إلى تغيير اسم الإقليم إلى(خوزستان) لنفي الصفة العربية عنه، كما قامت بتغيير أسماء المدن والقرى والأحياء والشوارع والأنهار والجبال والمواقع وإعطائها أسماء فارسية جديدة، علماً بأنه لا يوجد مصدر فارسي إيراني كان يسمّي جميع هذه المناطق بالأسماء الفارسيّة التي نسبتها إليها الدولة الإيرانية بعد الاحتلال الواقع على الأحواز في سنة 1925.

      كذلك  قرّر مجلس الوزراء الإيراني  إلغاء التعليم باللغة العربية، وإغلاق المدارس العربية الأهلية، ومنع التحدّث باللغة العربية أو إلقاء الخطب بها في جميع المناسبات، وعلى كافة أراضي الأحواز، كما منعت الحكومة الإيرانية في المحاكم، الترجمة من اللغة العربية وإليها فوضعت بذلك أكبر عائق أمام المواطن العربي في الأحواز لضمان حقوقه بمراجعة المحاكم، وبالرغم من أن الشاه أمر فيما بعد بتنقية الّلغة الفارسيّة من الكلمات العربية، هذا إلى جانب دور الشاه (محمد رضا بهلوي) في احتلال الجزر الإماراتية الثلاث، وسعيه ليصبح شرطي الغرب في المنطقة حفاظاً على المصالح الغربية .

       ولعل في موقف إيران من قضية تقسيم فلسطين في العهد الشاهي  دليل على موقفها تجاه العرب، فبعد أن اقترحت الأمم المتحدة تقسيم فلسطين بين العرب واليهود، كانت إيران من جملة الدول التي صوتت لصالح الاقتراح إرضاء للقوى العظمى آنذاك.

      وبعد أن أعلن الصهاينة دولتهم في أرض فلسطين في 15 أيار 1948م، واعترفت بها القوى العظمى، سارعت إيران إلى الاعتراف بها، وتبادل الطرفان التمثيل الدبلوماسي سريعاً .

  الثورة الإسلامية وعقدة العرب :

اُعتُبِرت الثورة  الشيعية نُقطة تحول جديدة في نظرة إيران لعلاقاتها الخارجية، ولكيفية التعامل معها بعد نجاح الثورة في بناء نظام سياسي على الأسس الصفوية، والتراث الإمبراطوري الآري، حيث حوّل إيران الحديثة إلى قوة مُوجهة لدعم التوجه المذهبي الشيعي الذي قسم دول العالم الإسلامي إلى دار السلام، ودار الحرب، وهذا التصنيف كان نابعاً – بالدرجة الأولى – من التوافق مع الثورة الإسلامية والتبعية لها، وأصبحت هذه السياسة الجديدة تُمثل ردة فعل قوية على السياسة العلمانية التي تشابكت مع القومية (الشوفينية) التي اتبعها الشاه، حيث أنهت الثورة الإسلامية هذا النظام، وأقصت علمانيته، لكنها تبنت أهدافه وطموحاته التوسعية، وكذلك ألغت الدور الذي وُضِعَ لإيران من مجرد الشرطي الذي يحمي المصالح الاستعمارية إلى الشريك معها في الغُرم والغُنم،  استناداً إلى تجاربه السابقة، وإلى دور جديد يستهدف الانقضاض على العالم الإسلامي السني، وتفتيته مذهبياً بعد الدور الذي اضطلعت به الدولة الصفوية بالإسهام في القضاء على الدولة العثمانية السنية، والدور الذي قامت به لتقطيع أوصالها، واستكمال استقلال إيران وسيادتها المذهبية، وتحرير الأقليات الشيعية في العالم العربي والإسلامي من مظاهر التبعية لأنظمةٍ خارجةٍ عن الملة بنظر مراجع التقليد الشيعة (الأنظمة السنية العربية) الذين أصبحوا يقودون سفينة النجاة للمهدي الشيعي الموعود.

    إن  تطوير الخميني لمفهوم ونظرية (ولاية الفقيه) قد أدت إلى أن تصبح هذه الفكرة محور الإحياء الإسلامي للثورة الإيرانية، وأصبحت معياراً مهماً لشرعية النظم السياسية الأخرى، وهذا بدوره أثر عليها، حيث نظرت الدول الأخرى إلى الثورة على أنها باتت تُشكل مصدراً لتهديدها. الخلاصة أن  أفكار الثورة الإسلامية جميعها تدور حول قضية الحكم والهيمنة والتوسع تجاه العالم العربي .

الثورة الثقافية التربية والتعليم وعقدة  العرب :

 

        التعصب والعنصرية من أخطر أنماط السلوك التي يكتسبها الفرد عن طريق التنشئة الاجتماعية والثقافية، والتنشئة الاجتماعية تعني تلك العملية التي يصبح فيها الفرد قادراً على إدراك قيم ومعايير المجتمع الذي يعيش فيه على المستوى المعرفي والانفعالي،  فالعنصرية الإيرانية  ليست غريزة، ولا هي استجابات آلية لفروق إنسانية، وإنما تتكاتف كل مؤسسات الدولة للناشئين منذ نعومة أظفارهم .

       فإيران قد حددت عنصريتها قبل وبعد ثورتها، حين كانت تشير إليها منذ اليوم الأول للإعلان  عنها في برامجها السياسية بعد نجاح الثورة  “بجمهورية إيران الإسلامية  ” وهي التسمية الرسمية “لدولة إيران”، ومعنى ذلك أن كل من يسكنون فيها لن يكونوا إلا مواطنين إيرانيين خالصين فقط. ولهذا فلن يَعْجَبَ أحدٌ إذا لم يجد في إحصائيات دولة إيران الرسمية أية إحصائية للمواطنين من غير الإيرانيين فليس في إيران من يسمون بالبلوش، الكرد، العرب ….بل إن الموجودين رسمياً هم مواطنون إيرانيون فقط، طبعاً مع ممارسة أقصى درجات التمييز ضدهم  .

       هذه هي الممارسات العنصرية التي تمارسها السلطات الإيرانية في الأراضي الإيرانية، وما حلول السلوك القومي الإيراني في مؤسساته التعليمية والتربوية وموقفهم من الأقليات الأخرى، والتمييز العنصري إلا نتيجة حتمية لطبيعة هذه الدولة وفلسفتها العنصرية .

     إنّ التركيز على  ترسيخ العنصرية تتبدى  من خلال  تدريس المذهب الشيعي بصيغته الفارسية، إلى جانب تدريس  اللغة والتراث و والأدب والتاريخ والجغرافيا والعلوم العسكرية  بنسختها الفارسية القديمة والحديثة، إنّما يهدف لتحقيق أهداف الثورة الإسلامية، وتكوين شخصية الطلاب (لإيرانية) بحسب منهجية هذه الدعوة العنصرية، وتوجيه ميولهم وتأطير سلوكهم إلى ما ينبغي أن يكون إزاء بعضهم وإزاء غيرهم من الأمم.

     وقد نشأ أغلب المفكرين والسياسيين والقادة الإيرانيين على هذا التراث، وتشربوا بالقيم التي ينطوي عليها، وعملوا على تطويعها وتكييفها لخدمة الثورة ، خاصة لجهة التربية العنصرية -العدوانية، وتسويغ الاستيلاء على أراضي الغير، كل ذلك بهدف إعادة تكوين وعي الطلاب، وصياغته، وقولبته وفق نمط محدّد، وجعلهم يؤمنون بصورة مطلقة أنّ الفرس والشيعة “ظاهرة ثقافية خارقة”، وأنّ الإيرانيين أصحاب “رسالة روحية لإنقاذ العالم “. وأنهم “أصح جنس خلقه اللّه لأنهم الفرقة الناجية”، و”أنقى عرق  “آري. وأنّ “الشعب الإيراني من الشعوب الخالدة، يملك تراثاً عميقاً من التاريخ الحضاري .

عقدة  التربية والتعليم  الإيرانية من العرب  :

        يتخرج الطالب الإيراني من طاحونة التربية والتعليم لا يعرف العرب سوى أن أنهم غزاة، دمروا حضارة فارس، وهم شعب متخلف، دينهم خطأ، ثقافتهم بائسة…، حيث يأخذ الطالب هذه النظرة معه إلى الجامعة، التي تستمر في غرس هذه القيم .

      ولا تتساءل الكتب  المدرسية عن الأسباب وراء الفتح الإسلامي لبلاد فارس مثل : الدوافع وما رائها، وظروف إيران. حيث توحي هذه الكتب بأن المسلمين قد بدأوا في العدوان على بلاد فارس، ولا تهتم نفس هذه الكتب بذكر موقف الفرس في البداية من هذا الفتح، كذلك لم تشر للممارسات الفارسية لوقف هذا الفتح، والمؤامرات التي حاكوها ضد المسلمين الفاتحين، والأفعال التي ارتكبوها للتأمر على الخلافة ، فالفتح الإسلامي اجتياح وغزو بربري ……

         تنبع النوازع العنصرية الإيرانية الحالية من مجموعة من المكونات النفسية والدينية والمادية التي توارثها الفكر الشيعي بطبعته الفارسية على امتداد عصوره لتكوّن ما يعرف بمفهوم الصراع بين الإسلام الحقيقي الذي تدين به إيران، والإسلام غير الحقيقي الذي يدينون به العرب، وهو ما تحول داخل وجدان كل إيراني إلى ما يشبه العقيدة المتوارثة لفكرة الصراع ، مع تغليف كل ذلك بنزعة عنصرية ترى أن بني فارس ليسوا مثل غيرهم من البشر لاختيارهم دون غيرهم من الشعوب ليكونوا شعب الله المكلف برسالة الخلاص، وقد لازمتهم هذه الفكرة العنصرية، كما لازمت فكرة الصراع والعنف والتعالي على الآخرين .

      يزخر التاريخ الإيراني ، بالكثير من الحوادث  و أشكال الصراع مع الآخرين، بل إن المذهب الشيعي بنسخته الفارسية يطبع عقيدة  الثورة الإيرانية برباط وثيق بين الحرب النهائية والثورة الإيرانية .
وبمرور الوقت تحول هذا الصراع المقرون بنظرة عنصرية استعلائية نحو الآخرين إلى منهاج عمل يسعى لتحقيق أهداف إيران في المنطقة انطلاقاً من الاعتقاد بأنه بدون هذا الصراع لن يتسنى للمهدي العودة حتى يكثر القتل والتدمير، وتعم الفوضى، والظلم ….. وذلك على أساس أن كل جريمة تصبح شرعية وقانونية طالما تسعى لتحقيق ما سمى بــــ(الوعد الإلهي).

       إن إيران الحالية في ظل نظام العمائم هي امتداد طبيعي يجسد روح العنصرية والاستعلاء الفارسي على العرب والعروبة، وحتى على الشيعة العرب  أنفسهم؛  لأن الإيرانيين لم يعتبروا أبداً دخول الإسلام على بلدهم فتحاً إسلامياً وإنما غزواً عربياً؛ ولذا يمتنعون عن تعلم العربية، أو التحدث بها، ويمعنون في الاعتماد على اللغة الفارسية حتى يتميزوا بشكل استعلائي على العرب باعتبارهم آريين وفرساً في المقام الأول الذي يسبق حتى انتمائهم إلى الإسلام.

       يلعب النظام في إيران على ثلاث هويات مختلفة فهو فارسي الأصول ، ويحملون راية الإسلام الشيعي الحقيقي ، ويتعصب لعرقه الآري، ويجعلها  جوهر تحركاته وتوجهه، وما تزال الثقافة الإيرانية المعاصرة تحطّ من قدر العرب، و تحقر صورتهم في التعليم المدرسي والجامعي، والحكم والأمثال الشعبية،  والصحافة والإعلام، بل والموسيقى، والغناء، والمسرح، والفن .

عقدة التعصب  والعدوانية  الإيرانية  للعرب :

       لا شك بأن الهدف النهائي من المناهج والكتب المدرسية هو إخراج جيل متعصب، مذهبيًا، وقوميًا، ومؤمن بالاغتصاب، والتوسع، ومستعد للقيام بمغامرات في سبيل ذلك، وتوسيع نطاقه ضمن سياسة تعبئة شعورية تقوم على أساس نظرية الهذيان المهدوي، وسياسة الخلاص العالمي التي سيسعون لتحقيقها  ، مع إيهام العالم أن إيران بلد إسلامي حر، لا يخضع لتبعية الخارج.
بناء على روح التعصب لدى  الشيعة، وعلى الكراهية المتبادلة بينهم وبين مختلف المذاهب الإسلامية، وبناء على تعاليم المذهب الشيعي الفارسي  تكونت عند الإيرانيين  عقيدة ( الشعب المختار للمهمة الإلهية المقدسة ) .

عقدة الثورة الإيرانية لإبادة العرب :

 

       سعت الدولة والثورة الإيرانية إلى محاولة  إيجاد  مجتمع قومي  بكل ما في هذه الكلمة من معنى، أفرز مئات الألوف من الناشئة والشباب، الذين تثقفوا وجرتْ “تربيتُهم” على الأيديولوجية الطافحة بالغيبيات والخرافات استناداً إلى فكرة الهذيان المهدوي ، والقائمة على التعصب  الديني المتطرّف،  فما الذي سنتوقعه من شخص ترعرع في مثل هذه البيئة العدوانية، وآمن بقدسية معتقداته ، ولا يؤمن بعلاقات مع المحيط إلا من  منطلق الوصاية، وضرورة ضم المحيط للجغرافيا الفارسية  قسراً.

      لقد أصبحت عسكرة المجتمع من خلال العملية التعليمية، والعنف سمات ملازمة للشخصية الإيرانية، وستظلّ تلازمها، لأنها تحوّلت إلى شخصية متفجّرة بثقافة الخلاص، نتيجةً لوقوعها تحت تأثير جملة معقّدة من المتغيرات والظروف التي تحدثنا عنها سابقا ، وضعتها فيها الثورة الإيرانية وسط المحيط العربي” السني ” الرافض لمقومات هذا السياسة العدوانية. فالوجدان الإيراني يرى حالة الحرب، والعنف، وسفك الدماء، والدمار، نتيجة حتمية  كما لو كانت حالةً نهائية  بعدها سيحل العدل في العالم ؛  فتراب الثورة الإيرانية لن يرتوي، فهي تطالب دائماً بالمزيد من القتلى، كما لو كانت إيران آلهة ثأر متعطشة للتسريع بعودة المهدي، الذي لن يعود حتى تمتلئ الأرض ظلماً ، وقتلاً ، وتدميراً، وليس مجرّد دولة .

      فالانتقام الإيراني الشيعي- في رأينا –  لا شك بأنه سلوك قومي إيراني ثأراً لتدمير حضارة فارس، ثم مذهبي ( شرعي) ثأراً  لتأخر ريادتهم وقيادتهم للعالم الإسلامي.

إذاً، فالشخصية العدوانية المسيطرة اليوم في “المجتمع الإيراني” وثقافة الثأر المهيمنة عليه إنما هي ثمرة طبيعية من ثمرات “التربية والتعليم ” للثورة الإيرانية.

إيران وكذبة دعم  القضية الفلسطينية :

     

توسلت إيران  بخطاب الکراهیة والمذهبية  لیکون مطیّتها للنفوذ فی الدول، وسلكت النهج التحریضی ضد الشعوب ومکوناتها الإثنیة والمذهبیة، و حققت نفوذها بفعل ضعف  البناء الاجتماعي والأمني  العربي ، و من خلال توظيف استخدام القضیة الفلسطینیة، ونصرة المستضعفین والدعوة إلی الوحدة الإسلامية ، ومقارعة المستکبرین، كشعارات فارغة  مقيته لخداع بعض القطاعات الشعبية العربية ، كيف لا وهي لا تعترف بقدسية فلسطين ، وتدعي أن المسجد الأقصى قد رفع إلى السماء ، إلى جانب غياب تدريس القضية الفلسطينية في مدارسهم وجامعاتهم ، فجل  مساقات العلوم السياسية في جامعة طهران لا تتحدث عن هذا الموضوع مطلقاً ، هذا ما وجدته أثناء دراستي هناك .

هذا عدا عن  الهجمة الإيرانية الرسمية وغير الرسمية غير المسبوقة ، التي انهالت شتماً وتحقيراً بحماس وقياداتها على إثر موقف حماس الشجاع القاضي بعدم الوقوف مع نظام بشار الأسد ، و التقارب بين  الحركة والمملكة العربية السعودية ؛  ما أدى بصانع القرار السياسي والأمني الإيراني  يضع  مختلف المقاربات للتأثير على الحركة  ، والرهان على إحداث انقسام بها ، بل وتصفية قياداتها ، أو حتى تدميرها  عن بكرة أبيها بعد أن تم وسمها بالعمالة والوقوف ضد محور الممانعة ….؛  والتلويح بتأسيس ودعم قوى بديلة عنها في الضفة وقطاع غزه ؛ لأنها لم تنصاع لإرادة طهران ، وهذا يعري موقف إيران ، ويوضح حقيقة الموقف من الحركات الفلسطينية التي تقاتل الاحتلال .

ونحن نقول كذلك  لمن انطلت عليه عملية الخداع الإيراني ، أن دولة الملالي لم تطلق في يوم من الأيام أية رصاصة  أو صاروخ ضد إسرائيل ؟ أتدرون لماذا ، لأنها لا تؤمن إلا بحروب الوكالة للدفاع عن المجال الحيوي الإيراني ، وتريد إدخال المنطقة في دوامة الصراع لاستنزاف قدرات الأخر ” العالم العربي” .

 كذلك  لم تقدم  إيران  على الصعيد الداخلي نموذجاً فریداً من الوحدة الداخلية لتكون نموذجاً  للدیمقراطیة الدینیة، من خلال إقامة حکومة شعبیة قائمة علی القیم الدینیة، یحق للمواطن فیها أن یقترع وینتخب ممثلیه فی الدولة والبرلمان، والمشارکة فی تقریر مصیر البلاد، بشكل حر ومسئول بحيث تكون ملهماً للحكومات والشعوب العربية ، بل كانت مثالاً صارخاً للدكتاتورية الدينية المبنية على فكرتي الخرافة والتوسع ، على حساب حقوق الإنسان ، وانتهاكات حرية الشعب الإيراني بمكوناته ، وخارطته الديموغرافية والدينية، بحيث مارست انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان من زج لرموز المعارضة في غياهب السجون ، وممارسة التمييز العنصري والمذهبي ، واستهداف مواطنيها ، بشكل تصدرت فيه إيران عن جدارة  لقب أكثر دولة في العالم تنفذ عمليات إعدام على المستوى الدولي  .

عقدة التوسع الثوري  نحو العالم العربي :  نظرية أم القرى نموذجاً :

         برزت في إيران نظريات حول حدود سلطة الجمهورية الإسلامية الإيرانية الخارجية، وكيفية بناء إمبراطورية تكون هي بمثابة المركز والمرجع، حيث منحت هذه النظريات دولة القلب المذهبي “إيران” صلاحيات وسلطات خارج حدودها على اعتبار أنها دولة الإسلام الحقيقي التي تجسد نواة العالم الإسلامي ومركزه القيادي، وأن جوارها الجغرافي؛ ولا سيّما العربي ينبغي أن يكون تابعاً لها بشكل جبري؛  إذ ظهرت هناك النتيجة أن   دولة (أم القرى) تعني  أن تصبح  إيران هي نواة مركز الإسلام العالمي، وبالتالي فهي تمثل الدولة القائدة التي تفرز زعيماً تكون له السلطة والصلاحية والولاية على الأمة الإسلامية جمعاء ، وتحت راية الإمام المسئول عن هذه الأمة الإسلامية الواحدة،  طبعاً هو المرشد الإيراني .

 عقدة العرب في الإعلام  والكاريكاتير والسينما والمسرح والفن والغناء والنشيد الحماسي  والأمثال الشعبية الإيرانية من العرب  :

لا يكاد تخلو الجوانب سالفة الذكر،  بأنواعها وتصنيفاتها المختلفة التي تصور العرب ، وتقدحهم بأبشع وأقذر  الصور والصفات و العبارات؛ فالملاحظ أنها تتسم  بالتشويه والتحريض والاستفزاز لدرجة الانحطاط ؛ لأنها باختصار  تهوى الفضح والإثارة في مختلف المناحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفنية والاجتماعية، بدلاً من تركيزها على  أوجاع المواطن الإيراني، ومحاكاة همومه  .

       وبدلاً من يعمق أواصر اللحمة والوحدة فيما بين  قطاعات شعبه، وأجنحته  السياسية  المتصارعة المتشعبة الأفكار والمبادئ، بات أداة يوظفها النظام لصناعة العدو ” العربي”  وتضخيم  مخاطره المشاكل معه .

      بعد كل هذا  العرض والتحليل  العلمي بصورة محايدة وموضوعية، وبعيدة عن التجني والتلفيق، كيف بإمكاننا  إقامة علاقة سوية مع الدولة الإيرانية وثورتها ؟

 وكيف يستقيم هذا الأمر وفق هذه المعطيات ؟ ….

أفتوني  رعاكم الله .

 

رئيس وحدة الدراسات الإيرانية  /مركز أمية للبحوث و الدراسات الإستراتيجية